قتل الصحفيات... نهج يستهدف الصوت والحقيقة معاً
شهد شهر نيسان/أبريل تصاعداً مقلقاً في استهداف الصحفيات في مناطق النزاع، والتوتر حول العالم، حيث وثّقت تقارير أولية مقتل عدد من الإعلاميات أثناء أداء عملهن أو بسبب مهنتهن.
مركز الأخبار ـ لم يعد مقتل الصحفيات في مناطق النزاع مجرد خطر مهني يمكن إدراجه ضمن إحصائيات الحروب، فمنذ الأشهر الأولى لعام 2026، وبشكل متزايد يتم استهداف العاملات في المجال الإعلامي خاصةً في غزة ولبنان، ويبدو أن استهدافهن يحمل دلالة أعمق "إسكات صوت مزدوج، صوت الحقيقة وصوت المرأة في آنٍ واحد".
تستمر التحديات الخطيرة التي تواجه الصحفيات، خاصة في البيئات غير المستقرة، وتُظهر المعطيات أن العاملات في الإعلام تتعرضن لمخاطر مزدوجة، تتعلق بطبيعة العمل الصحفي من جهة، وبالاستهداف القائم على النوع الاجتماعي من جهة أخرى.
وللصحفيات دور هام عدا عن نقل الخبر، فهن غالباً ما يغطين قصصاً لا تُروى... قصص الأمهات، الناجيات، والمجتمعات المنسية، وعندما يُقتلن، لا يُغتال فرد فقط، بل يُخنق مسار كامل من السرد البديل، إنها خسارة للعدالة المعرفية، وليس فقط لحرية الصحافة.
في الأشهر الأولى من عام 2026، لم يكن السؤال فقط كم صحفية قُتلت؟ بل كم قصة لم تُروَ لأن من كانت سترويها لم تعد موجودة؟
الهجمات الإسرائيلية تستهدف الصحفيات
لا توجد حتى الآن قاعدة بيانات رسمية ومحدّثة بشكل كامل توثق جميع حالات مقتل الصحفيات، خاصةً وأن مثل هذه المعلومات تعتمد على تقارير منظمات دولية كالاتحاد الدولي للصحفيين أو مراسلون بلا حدود، التي قد تتأخر في النشر أو التحقق.
ولكن وفق ما تم توثيقه خلال شهر نيسان/أبريل 2026، فإنه جرى مقتل عدد من الصحفيات في سياق تصاعد العنف في الشرق الأوسط، خاصةً في الهجمات الإسرائيلية المستمرة على لبنان، حيث قتلت عدة صحفيات وهن "غادة ضيّخ" التي قُتلت إثر قصف استهدف المبنى الذي كانت تقيم فيه جنوب لبنان في السابع من نيسان/أبريل، وهي إعلامية في إذاعة صوت الفرح، كذلك قُتلت الإعلامية في قناة المنار "سوزان خليل" في غارة جوية على جنوب لبنان في الثامن من نيسان/أبريل.
وفي 22 من نيسان/أبريل قُتلت "آمال خليل" خلال غارة جوية أثناء تغطية ميدانية في بلدة الطيري وهي إعلامية في صحيفة الأخبار، وقد لاقى استهدافها تنديداً واسعاً على اعتبار أن قتلها جاء بعد استهداف مزدوج أعاق عمليات الإنقاذ، ما أثار اتهامات بانتهاك القانون الدولي، وفتح تساؤلات حول تعمد استهداف العاملين في المجال الصحفي.
امتداد النزيف
لم يكن نيسان/أبريل شهراً استثنائياً، بل امتداداً لنمط مستمر منذ بداية العام، فمناطق النزاع والتي تتوسع رقعتها بدل أن تنحسر، ما تزال هي الأكثر خطورة على حياة العاملين في المجال الصحفي، "فاطمة فتوني" هي أيضاً لبنانية في قناة الميادين قتلت في غارة جوية إسرائيلية على الجنوب اللبناني في 28آذار/مارس.
لا يمكن قراءة هذه الأرقام بوصفها محايدة، فقتل الصحفية ليس فقط إسكاتاً لصحفي، بل كسراً لوجود امرأة في فضاء يُنظر إليه تاريخياً كحيّز ذكوري خاصةً العمل في الخطوط الأمامية للحرب.
الصحفية لا تنقل الحدث فقط، بل تعيد صياغة الرواية، تدخل إلى مساحات طالما أُغلقت في وجه النساء كالجبهات، والمقابر الجماعية، وأيضاً ذاكرة الضحايا، ليكون وجودها بحد ذاته فعل مقاومة، لذلك حين تُقتل صحفية لا يُغتال جسد فقط بل يُستهدف جانب من الحقيقة وتُقمع رواية بديلة.
اللافت أن كثيراً من الصحفيات اللواتي قُتلن في الأشهر الأولى من العام الجاري كنّ يعملن في الإعلام المحلي، وليس في المؤسسات الدولية الكبرى، وهذا يعني أنهن كنّ الأقرب إلى الناس، وإلى القصص الصغيرة التي لا تصل إلى العناوين العالمية، وهو ما يجعل خسارتهن مضاعفة.
العنف المزدوج
الصحفيات تواجهن تهديدات جنسية وتشهير قبل القتل، وكذلك تقليل من المهنية، واستهداف بسبب الظهور العلني، ثم في أقصى الحالات المتمثلة بالقتل، وهذا ما يجعل العنف ضدهن مركباً أي أنه ليس فقط لأنهن صحفيات، بل لأنهن نساء في موقع غير مسموح به ضمن منطق القوة.
وفق بيانات دولية، فإن مقتل الصحفيين عالمياً بلغ مستويات قياسية في السنوات الأخيرة، مع إفلات شبه كامل من العقاب، لكن داخل هذه الأرقام، تبقى النساء أقل عدداً وأكثر هشاشة من حيث الحماية والتوثيق.
تؤكد هذه الوقائع الحاجة الملحة لتعزيز آليات الحماية للصحفيين، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحقهم، وضمان بيئة عمل آمنة تتيح نقل الحقيقة دون خوف، العدالة للصحفيات القتيلات لا تعني فقط محاسبة القتلة، بل أيضاً إعادة النظر في الشروط التي تجعل من قتل النساء ممكناً ومُتكرراً، والعمل على تفكيك البنى التي ترى في صوتهن خطراً يجب إسكاته.