قمع بلا حدود… إيران تحت قبضة الإعدامات والاختفاء القسري

تعيش إيران على وقع موجة قمع غير مسبوقة، شملت إعدامات سياسية، وعمليات قتل ميداني، واعتقالات جماعية، وسط صمت دولي وتجاهل لملف حقوق الإنسان.

مركز الأخبار ـ تشهد إيران منذ أربعة أيام تصعيداً لافتاً في وتيرة القمع، وسط أجواء أمنية خانقة وتوترات سياسية وعسكرية متفاقمة. ومع حلول اليوم السبت 16 أيار/مايو، توالت مجموعة من التقارير الحقوقية والمحلية التي تكشف عن اتساع رقعة الاعتقالات والإعدامات والضغوط الممنهجة على المواطنين في مختلف أنحاء البلاد.

تؤكد هذه التقارير أن الأجهزة الأمنية والقضائية تستغلّ ظروف الحرب والصمت الإعلامي المحيط بها لتكثيف عمليات القمع على نحو غير مسبوق، مستفيدة من انشغال المجتمع الدولي وتراجع الاهتمام بملف حقوق الإنسان. ففي ظل هذا الصمت الدولي الخانق، وتسوية ملف الحقوق الأساسية جانباً في المفاوضات الدولية، تسارعت آلة الإعدام والقمع في إيران بوتيرة غير معهودة.

وخلال أربعة أيام فقط، شهدت عدة مدن عمليات إعدام سرية، وإطلاق نار مباشر من قبل القوات الأمنية، واعتقالات تعسفية طالت عشرات المواطنين، في وقت تتعمّق فيه الأزمات المعيشية ويشتد الخناق الأمني.

كما لجأت الأجهزة القضائية والأمنية إلى سلسلة من الإجراءات القسرية، شملت انتزاع الاعترافات تحت التعذيب، وقطع الإنترنت لمنع تداول المعلومات، وحرمان المعتقلين من حقهم في توكيل محامٍ، إضافة إلى فرض كفالات مالية باهظة تعجز معظم العائلات عن دفعها.

ولم تتوقف الضغوط عند هذا الحد، بل وصلت إلى الامتناع عن تسليم جثامين الضحايا أو إحراقها في عمليات إعدام ميدانية، في محاولة لطمس الأدلة ومنع أي شكل من أشكال الاحتجاج أو التضامن.

 

تسارع الإعدامات السياسية وسط صمت دولي خانق

وتفيد تقارير منظمات حقوق الإنسان بأن السلطات الإيرانية تستغلّ أجواء الاشتباكات العسكرية الأخيرة كغطاء لتصفية حسابات سياسية وتكريس مناخ الخوف داخل المجتمع. وتشير البيانات المتاحة إلى ارتفاع ملحوظ في وتيرة إصدار وتنفيذ أحكام الإعدام في القضايا ذات الطابع السياسي والأمني، حيث بلغ عدد من أُعدموا حتى الآن 31 سجيناً بتهم سياسية وأمنية.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت أيضاً معدلات الإعدام في القضايا غير السياسية وخاصة المرتبطة بالمخدرات والقتل العمد، لكن الأجواء الأمنية المشددة وانشغال الرأي العام بالإعدامات السياسية جعلا الكثير من هذه الحالات تمرّ في صمت إعلامي كامل.

وخلال الأيام الأربعة الماضية وحدها، شهدت سجون كرج، زاهدان، تبريز، بيرجند، كرمان، قم وكركان تنفيذ سلسلة من أحكام الإعدام. ومن أبرزها إعدام سجين سياسي في سجن قزل حصار بمدينة كرج، حيث نُفّذ الحكم دون السماح له بوداع عائلته، بتهمة "المحاربة" على خلفية مشاركته في احتجاجات كانون الثاني/يناير 2026، وتشير تقارير حقوقية إلى أن قضيته شابتها انتهاكات جسيمة لمعايير المحاكمة العادلة، بما في ذلك انتزاع اعترافات تحت التعذيب. كما أُعدم سجينان آخران في السجن نفسه بالتهمة ذاتها.

وفي سجن زاهدان، نُفّذ حكم الإعدام بحق سجين سياسي ـ عقائدي من البلوش بعد عام كامل قضاه في زنزانة انفرادية تابعة لاستخبارات الحرس الثوري، تعرّض خلالها لتعذيب جسدي ونفسي شديد. وقد أُعدم قبل أيام بتهمة "البغي"، فيما تفيد التقارير بأن الأجهزة الأمنية "ضلّلت عائلته" عبر وعدهم بوقف التنفيذ إذا لم تُنشر قضيته إعلامياً، ما أدى إلى بقاء خبر الإعدام طيّ الكتمان حتى لحظة التنفيذ.
 

تصفية جسدية خارج إطار القانون

لم تقتصر حملة القمع خلال الأيام الأربعة الماضية على السجون، بل امتدت إلى الشوارع والطرق في مختلف أنحاء إيران، حيث سقط عدد من المواطنين نتيجة إطلاق النار المباشر من قبل القوات الأمنية والعسكرية.

في إيرانشهر، قُتل أربعة مواطنين بلوش فيما وصفته مصادر محلية بأنه إعدام ميداني، بعد أن أطلقت عناصر استخبارات النظام وابلاً من الرصاص على سيارتهم. وأفاد شهود بأن العناصر الأمنية اعتدت على اثنين من الجرحى قبل أن تطلق النار عليهما من مسافة قريبة، ثم أضرمت النار في السيارة وجثث الضحايا لمنع الأهالي من الاقتراب.

وفي الطريق بين زاهدان وتهلاب التابعة لمدينة ميرجاوه، أدى إطلاق النار المباشر على سيارة تقلّ اثنين من ناقلي الوقود إلى اشتعال المركبة ووفاة ركابها.

وفي سقز، قُتل شاب في منطقة رباط كريم بعد إصابته برصاص حي أطلقته القوات العسكرية دون سابق إنذار، حيث أصابته الطلقات في الرأس والرقبة. وفي بناب، لقي شاب من أهالي ملكان حتفه برصاص مباشر أطلقته قوات الباسيج.

أما في طهران، فقد توفي رجل يبلغ من العمر 39 عاماً بعد 123 يوماً من الرقود في المستشفى، إثر إصابة خطيرة تعرض لها خلال احتجاجات كانون الثاني/يناير. وأكدت عائلته أن السلطات حاولت نسب مقتله إلى "إرهابيين" والضغط لدفنه في "قطعة الشهداء"، وهو ما رفضته الأسرة.

وفي قرية آبكش التابعة لمدينة بردخون في محافظة بوشهر، توفي فتى يبلغ من العمر 17 عاماً خلال تدريبات عسكرية إجبارية.
 

تغييب قسري في أماكن مجهولة

شهدت عدة مدن إيرانية خلال الأيام الأربعة الماضية موجة واسعة من الاعتقالات التعسفية، طالت مناطق متعددة مثل سقز، بوكان، مهاباد، نيكشهر، شيروان، بیرانشهر، أورمية، إيلام، أنديمشك، زرّين ‌شهر، شاهين‌ شهر، أزنا، أردبيل وطهران.

في طهران، اعتُقل أمين رابطة الطلاب الإسلامية بجامعة طهران بسبب نشره بياناً مناهضاً للإعدامات، كما أُلقي القبض على مواطن آخر في منطقة جيتكر بتهمة استخدام خدمة "ستارلينك" لنقل المعلومات.

وفي نيكشهر، داهمت القوات الأمنية منزل مواطن بلوشي عاد حديثاً من عُمان، واعتقلته بعنف قبل نقله إلى استخبارات زاهدان. أما في مهاباد وبیرانشهر، فقد طالت الاعتقالات عدداً من المواطنين، بينهم فتى يبلغ 17 عاماً، دون أي مذكرة قضائية وباستخدام القوة. وفي بوكان، اعتُقلت متطوعة تعمل مع أطفال الشوارع وفنان شعبي، بينما شهدت شيروان اعتقال مواطن بسبب دعمه الافتراضي للاحتجاجات. وفي أورمية، اعتُقل شاب يبلغ 23 عاماً ومدرس لغة إنجليزية ونُقلا إلى أماكن مجهولة.

غياب المعلومات عن أماكن احتجاز هؤلاء المعتقلين وظروفهم الصحية والقانونية فاقم قلق عائلاتهم، في ظل استمرار سياسة التعتيم الأمني.

وبالتوازي مع موجة الاعتقالات، صعّد الجهاز القضائي الإيراني من إصدار الأحكام الثقيلة، وإبقاء المعتقلين في حالة بلا تكليف، إلى جانب مصادرة ممتلكات المواطنين كجزء من سياسة القمع المتصاعدة. ففي الأهواز، وُجهت لائحة اتهام لمواطن من أنديمشك بتهم تشمل التجسس والعمل ضد الأمن القومي. وفي ياسوج، لا يزال أحد معتقلي احتجاجات كانون الثاني/يناير محتجزاً منذ شهرين دون أي تقدم في قضيته، ومحروم من حقه في توكيل محامٍ.

وفي كهكيلويه وبويرأحمد، أصدرت محكمة الاستئناف حكماً بالسجن 30 عاماً بحق أربعة متهمين سياسيين. كما حُكم على طالب جامعي يبلغ 20 عاماً في بيرجند بالسجن ثماني سنوات.

وفي خطوة أخرى، أصدرت السلطات القضائية في هرمزكان وهمدان، إضافة إلى نيابة مشهد، قرارات بمصادرة ممتلكات عشرات المواطنين معظمهم من المقيمين خارج البلاد، بتهمة "النشاط ضد النظام".
 

أوضاع المعتقلات والمحكومات والمهددات بالإعدام

وتكشف متابعة أوضاع النساء المعتقلات خلال الأيام الأربعة الماضية حجم الضغوط الأمنية والقضائية التي تتعرض لها النساء الناشطات.

- وريشه مرادي، السجينة السياسية الكردية في سجن إيفين، حُكم عليها بالسجن ستة أشهر إضافية بتهمة "الدعاية ضد النظام" في قضية جديدة فُتحت أثناء فترة سجنها. 

- نرجس محمدي نُقلت إلى مستشفى في طهران تحت حراسة أمنية بعد تدهور حالتها الصحية وفقدانها الوعي في سجن زنجان، مع تعليق مؤقت لحكمها لأغراض العلاج. 

- نجمة أميني، البالغة 22 عاماً، محتجزة منذ نحو ثلاثة أشهر في سجن وكيل ‌آباد بمشهد، في ظروف قاسية وتحت التعذيب، ومحرومة من حقها في توكيل محامٍ، وتواجه تهماً خطيرة مثل "المحاربة" و"التعاون مع إسرائيل". 

- زهرا موسوي، 21 عاماً، إيرانية ـ أفغانية من فريمان، حُكم عليها بالسجن 10 سنوات وستة أشهر بعد أكثر من 100 يوم من الاحتجاز والبلا تكليف. 

- مريم نوري، زوجة أشكان تراب‌ زاده الذي قُتل في احتجاجات كانون الثاني/يناير، لا تزال محتجزة منذ أربعة أشهر دون أي تقدم في قضيتها، رغم مطالبات عائلتها بالإفراج المؤقت. 

- إلناز إقبالي، مهدية أفقي وطاهرة دهقان ما زلن في حالة بلا تكليف أو يقضين أحكاماً بالسجن في الأسابيع الأخيرة. 

- شكيلا قاسمي، المواطنة البهائية من كرمان، محتجزة منذ أكثر من 100 يوم، بينها 47 يوماً في الحبس الانفرادي، وقد تعرضت لنوبات عصبية بسبب الضغوط الأمنية. 

- فروزان إسلامي، مدرّسة لغة إنجليزية ومدوّنة من أورمية، اعتُقلت دون مذكرة قضائية ونُقلت إلى مكان مجهول. 

- في أصفهان، حُرمت عشر نساء بهائيات في سجن دولت ‌آباد من تمديد الإجازات المؤقتة، وأُعدن إلى جناح المحكومين مالياً. 

- محشر (محترم) برندين، السجينة المسيحية، تعاني من مرض قلبي حاد ووجود ورمين في الحنجرة والمخيخ، ومع ذلك تُحرم من الرعاية الطبية المتخصصة في إيفين. 

- كما كشفت صبا بختياري، شقيقة منوجهر بختياري، في رسالة من داخل البلاد، عن الظروف اللاإنسانية في السجون، والنقص الحاد في الغذاء، والضغوط المتزايدة على السجناء في ظل الأوضاع الحربية.

 

التهديد بالإعدام وملفات قضائية مفتوحة

تستمر الضغوط الأمنية والقضائية على عائلات السجناء السياسيين في إيران. ففي زاهدان، أبلغ القاضي المسؤول عن ملف شابين بلوشيين معتقلين أحدهما شقيق سجين سياسي أُعدم مؤخراً؛ عائلتهما بأن الاثنين يواجهان خطر صدور "أحكام بالإعدام".

وفي زرّين‌ شهر بمحافظة أصفهان، تشير التقارير إلى أن السلطات القضائية فتحت ملفاً أمنياً جديداً ضد اثنين من معتقلي الاحتجاجات، إضافة إلى امرأة أخرى، ما يضعهم جميعاً أمام احتمال صدور أحكام ثقيلة.

 

وتكشف هذه التطورات خلال الأيام الأربعة الماضية أن السلطات، في ظل الأزمات السياسية والعسكرية وصمت المجتمع الدولي، قد دفعت بعملية القمع إلى مستوى غير مسبوق. فعمليات التصفية الجسدية للمعارضين، والتضييق الشديد على الحقوق المدنية، وتوسيع نطاق الاعتقالات والأحكام القاسية، كلها مؤشرات على تصاعد انتهاكات حقوق الإنسان واتساع دائرة العنف البنيوي في البلاد.