عنف بلا حدود... حين يتحول حضور النساء إلى مادة للتهديد والإذلال
ماريا كريمي
انتحرت ثلاث فتيات صغيرات في لورستان، وقبل أن يتمكن الرأي العام من مناقشة أسباب هذه المأساة، انتشرت صورهن الخاصة على قناة في تطبيق تيليجرام، وفي الهند تُشاهد مقاطع فيديو الاغتصاب الجماعي للنساء ملايين المرات، وتُصبح مادةً دسمةً للاستخدام على وسائل التواصل الافتراضي، في الوقت نفسه تواجه النساء اللواتي شاركن في المسيرات الاحتجاجية في دلهي موجة من العنف الإلكتروني تتراوح بين التهديدات بالقتل والاغتصاب، وصولاً إلى نشر أرقام هواتفهن وعناوينهن ومعلومات عن عائلاتهن.
هذه ليست حوادث معزولة، السؤال هو: لماذا في كل مرة يُرى فيها جسد امرأة أو صوتها أو وجودها في مكان عام تتبع ذلك موجة من العنف؟
في نظريتها حول "بنى النظام الأبوي" تقول عالمة الاجتماع البريطانية سيلفيا والبي أن النظام الأبوي ليس مجرد مجموعة من المعتقدات الفردية، بل هو شبكة من البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والإعلامية والسياسية التي تعيد إنتاج عدم المساواة بين النساء والرجال. وترى أن الأسرة وسوق العمل والدولة والإعلام، بل وحتى العنف، كلها جزء من هذا النظام، وتعمل مجتمعة على إدامة هيمنة المرأة.
إذا اعتمدنا هذه النظرية، فإن العنف الإلكتروني ضد المرأة ليس مجرد سلوك لبعض المستخدمين المجهولين، بل هو امتداد لنفس البنية التي تعتبر أجساد النساء في العالم الواقعي أدوات للسيطرة والحكم والعقاب، وقد ساهم الفضاء الإلكتروني في جعل هذا العنف أسرع وأكثر انتشاراً وأقل تكلفة.
وفي السنوات الأخيرة، طالبت النساء بحقوقهن، وكشفن قصص العنف، وبرزن بشكل أكبر في الساحات الاجتماعية والسياسية، إلا أن هذا الحضور أثار أيضاً ردود فعل عنيفة من بعض البنى الأبوية ويُطلق الباحثون على هذه الظاهرة اسم "رد الفعل الأبوي"، وهي حالةٌ يُقابل فيها كل تقدم تحرزه المرأة بمحاولة لتهميشها.
الأمر المقلق هو أن العنف ضد المرأة لم يعد يقتصر على الإبعاد الجسدية أو القيود القانونية، فاليوم باتت سمعة المرأة وصورتها ومعلوماتها الشخصية، بل وحتى جسدها أدواتٍ للإذلال والسيطرة، ونشر الصور الخاصة، والتهديد بالاغتصاب، وكشف المعلومات الشخصية، والهجمات المنظمة على الناشطات في مجال حقوق المرأة، كلها أشكال جديدة من العنف نفسه القديم.
لعل ما يثير القلق أكثر من العنف نفسه هو اقتصاد العنف، فاليوم تستفيد بعض القنوات والصفحات التي تجذب الجمهور بنشر صور خاصة للنساء، أو إذلالهن أو إعادة إنتاج محتوى جنسي، من زيادة المشاهدات، ويمكن تفسير هذه الظاهرة بمفهوم اقتصاد الانتباه حيث يكون المحتوى الصادم والمثير للغضب أكثر وضوحاً، وتساعد الخوارزميات على نشره دون مراعاة للعواقب الإنسانية.
السؤال هو، هل نحن مجرد متفرجين على هذا العنف، أم أننا نساهم دون قصد في حلقة مفرغة تستفيد من كراهية النساء مع كل نقرة ومتابعة وإعادة نشر؟
كما أن الوضع الاقتصادي المتردي يُفاقم هذا الوضع، وقد أظهرت تجارب العديد من الدول أنه في فترات انعدام الأمن الاقتصادي، تكون الفئات الضعيفة أكثر عرضة للاستهداف بالكراهية، والنساء، ولا سيما النساء الناشطات في المجال العام، هن أولى ضحايا هذه الدوامة، فالعنف في مثل هذه الظروف ليس مجرد أداة للقضاء على فرد، بل هو رسالة إلى جميع النساء "ثمن الظهور باهظ".
لكن ربما يكمن الخطر الأكبر ليس في العنف بحد ذاته بل في تطبيعه، فعندما يُقابل نشر صور النساء، أو التهديدات بالاغتصاب أو الإهانات الجنسية بالصمت أو النكات، أو اللامبالاة يتحول العنف من كونه استثناءً إلى جزء من الثقافة السائدة، هذه هي النقطة التي تحذر منها سيلفيا والبي، حيث تستمر البنى الأبوية في الوجود من خلال القبول الاجتماعي، دون الحاجة إلى إكراه مباشر.
السؤال اليوم ليس ما إذا كانت كراهية النساء موجودة؛ فالأدلة كافية للإجابة على هذا السؤال، السؤال الأهم هو لماذا لا يزال الكثيرون يعتبرون العنف ضد المرأة ليس جريمة ولا مأساة بل أمراً طبيعياً، اذ لن يتم كسر هذا التطبيع، ستظل كل متظاهرة، وكل صحفية، وكل ناشطة في مجال حقوق المرأة، وكل فتاة ترغب في العيش باستقلالية، خاضعة لنفس الدائرة المفرغة التي تبدأ بالإذلال وتنتهي أحياناً بالإبادة التامة.