من بهلوي إلى الجمهورية الإسلامية… استبداد يتغير شكله ويبقى جوهره
تحت تصاعد التوترات السياسية في إيران، تكشف الشعارات على الجدران صراعاً خفياً يعيد إنتاج الهياكل الاستبدادية القديمة بأسماء جديدة، فيما يدرك جزء متزايد من المجتمع أن التحرر يتطلب تجاوز ثنائيات الماضي وبناء وعي نقدي يواجه احتكار السلطة.
سارة بورخزاري
كرماشان ـ في الوقت الذي يترقب فيه العالم المواجهة بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة وإسرائيل، وتتزايد التوقعات بسقوط النظام، تتحرك داخل مدن إيران تيارات خفية تأثرت بأحداث كانون الثاني/يناير والحرب الأخيرة، ويأمل كثيرون من هذا التيارات أن يؤدي أي انهيار محتمل للنظام إلى فتح الطريق أمامهم لاعتلاء السلطة، لا لتحقيق تغيير ديمقراطي حقيقي.
في خضم التحولات التي تشهدها إيران، تدور معركة صامتة لا تجري في الشوارع بل على جدرانها، جدران لا تحمل سوى كلمات قليلة محفورة عليها، لكنها تخفي وراءها طبقات من تاريخ ثقيل، تاريخ دموي أو منسي، يشكل الجذر الحقيقي لكثير من هذه الشعارات، فليست كل الكتابات وليدة وعيٍ طويل أو تجربةٍ عميقة، بل إن بعضها يعكس تحركات خفية لقوى فكرية وسياسية تسعى، من وراء الستار إلى استعادة نفوذها المفقود وإحياء ما تعتبره حقاً موروثاً.
وفي قلب هذا الصراع، يقف الشعب ثابتاً يلخص كل ما يدور حوله بكلمة واحدة، الحرية إنها الحرية التي يتوقون إليها بوصفها حقاً طبيعياً، لكنهم يدركون في الوقت ذاته أن العودة إلى الماضي لا تصنع مستقبلاً وأن إعادة اختبار ما جُرب سابقاً ليس سوى تكرار للخطأ، سواءً كان ذلك محاولة لإحياء نظام سقط أو تجربة أثبتت فشلها.
في كرماشان، حيث شهدت الأزقة أحداثاً مريرة وأخرى مشرقة، يبرز على الجدران شعاران متناقضان، الموت للشاه و يحيا الشاه، للوهلة الأولى يبدو التناقض صارخاً لكن نظرة أعمق تكشف أن جذورهما واحدة، فالتاج الذي زيّن رأس حاكمٍ ما قد يتحول إلى عمامةٍ على رأس مستبدٍ آخر، ما يتغير هو الرمز أما جوهر السلطة فيبقى واحداً.
في رواية جورج أورويل 1984، يُقدم عالم تُحكمه سلطةٌ مطلقة نجحت في فرض دكتاتورية جديدة عبر التلاعب باللغة وتغيير دلالات المفاهيم، فالمؤسسات الحكومية تحمل أسماءً براقة، لكنها تمارس عكس ما تعلنه، فـ"وزارة السلام" تدير الحرب، و"وزارة الحقيقة" تتولى تزوير التاريخ وصناعة واقع بديل، يوضح جورج أورويل أن السيطرة على اللغة هي المدخل للهيمنة على الوعي والذاكرة الجماعية.
وعند النظر إلى الواقع، يتبيّن أن هذا الانقلاب الدلالي ليس مجرد خيال أدبي، ففي دول عديدة تسقط أنظمة قمعية لكن مؤسساتها تعود للظهور بأسماء جديدة، فيما يبقى جوهرها الأمني والسياسي على حاله، وفي الجمهورية الإسلامية، تُعد وزارة الاستخبارات مثالاً واضحاً على هذا التحول، فاسمها يوحي بالتحليل والأمن القومي، بينما ارتبطت في الوعي العام، خلال العقود الأربعة الماضية بالاعتقال والقمع وانتزاع الاعترافات بالقوة.
وتشير دراسات تاريخية إلى أن الوزارة لم تُبنَ من الصفر بعد الثورة، بل ورثت جزءاً كبيراً من خبرتها وأساليبها من جهاز السافاك في عهد بهلوي، إذ جرى استيعاب عدد من كوادره ضمن البنية الأمنية الجديدة، وهكذا تشكل الجهاز الأمني اللاحق على أساس خبرة سابقة لا على نقيضها، واستمرت معه الأساليب ذاتها في مراقبة المجتمع والسيطرة عليه.
ومع توسع الجمهورية الإسلامية، لم تكتفِ بوزارة الاستخبارات، بل أنشأت شبكة واسعة من الأجهزة الموازية، مثل استخبارات الحرس الثوري ووحدات أمنية متعددة ما عزز حضور الدولة الأمنية، وفي الوقت نفسه أضفت الخطابات الأيديولوجية طابعاً مقدساً على هذه المؤسسات، عبر تسميات مثل "جنود إمام الزمان المجهولون" و"حماية القيم الثورية"، لتتحول الأجهزة الأمنية إلى أداوت للشرعية بقدر ما هي أدوات للرقابة، وهذا ما يحذر منه جورج أورويل "تكتمل السلطة حين تستولي على اللغة، فتغيّر معاني الكلمات وتعيد تشكيل الوعي بما يخدم استمرارها".
روايات جديدة وهياكل سلطة قديمة
خلال عهد بهلوي، خضعت وسائل الإعلام لرقابة صارمة، وصُور الشاه كرمز مقدس فوق النقد، فيما كان جهاز السافاك يواجه أي معارضة بالقمع والاعتقال والتعذيب، وتظهر الوثائق التاريخية أن حرية التعبير كانت شبه معدومة رغم ما يروجه بعض الملكيين اليوم.
وتكشف المقارنة بين تلك الحقبة والجمهورية الإسلامية أن كثيراً من سمات الحكم الاستبدادي تكررت، مركزية السلطة قمع المعارضين السيطرة على الإعلام، استخدام الأجهزة الأمنية لترهيب المجتمع، إن إجراء هذه المقارنة ضروري لتوضيح التاريخ ومنع الوقوع في فخ الروايات المشوهة، ولإدراك أن تغيير الأسماء لا يعني بالضرورة تغيير جوهر السلطة.
في السنوات الأخيرة، حاول الناجي الوحيد من سلالة بهلوي من خلال استثماره بكثافة في وسائل الإعلام التابعة له، تقديم صورة مثالية عن حقبة ما قبل الثورة، زمن كان يُفترض فيه أن الشاه في خدمة الشعب على الدوام، يُنمّي البلاد بسرعة ويرسل الشباب إلى أوروبا للدراسة، لقد بلغ هذا السرد حداً جعل البعض يزعم أن جهاز السافاك كان مؤسسةً للخدمة والتدليل وأن جو الاختناق الذي ساد تلك الحقبة لم يكن سوى مبالغةٍ في وصف الجمهورية الإسلامية، في حين أن الوثائق التاريخية والتقارير الدولية وشهادات الناجين من تلك الحقبة تُقدم صورةً مختلفةً تماماً، لا يهدف هذا التشبيه إلى تبرئة أحدهما أو دحض الآخر بل إلى إظهار دورة متكررة للسلطة في التاريخ الإيراني المعاصر دورةٌ حافظت فيها الحكومات بغض النظر عن أسمائها ومظاهرها على وجودها بالاعتماد على القمع والرقابة والقضاء على المعارضين، لذا فإن فهم هذه الحقيقة ضروري للمجتمع لكي يبني مستقبلاً مختلفاً عن الماضي ولا يتوهم أن عودة البهلويين ستجعل من إيران دولةً مثالية.
الطريق إلى التحرر
يبرز في ظل عقود من الاستبداد سؤال جوهري حول دور الأفراد في مواجهة تكرار القمع، فالمطلوب أولاً هو تحليل الحقائق بعيداً عن الشعارات والروايات التي تصنعها القوى الساعية إلى السلطة، لأن المجتمع الذي يعجز عن رؤية الواقع يُعاد إنتاج استبداده مراراً، فقد شهدت إيران خلال أقل من قرن نظامين سلطويين، بهلوي والجمهورية الإسلامية، اختلفا في الشكل لا في جوهر احتكار السلطة وقمع المعارضين واليوم يتصارع أنصار هذين التيارين لا من أجل حرية الشعب، بل من أجل السيطرة.
وتكمن المشكلة في عدم إدراك أن للاستبداد وجوهاً متعددة، لكنه يقوم دائماً على تركيز السلطة في يد أقلية وإقصاء المجتمع، وما لم يُدرك الناس هذا النمط سيقعون في فخ نسخة جديدة من النظام القديم، لذلك يصبح واجب المجتمع إعادة قراءة التاريخ بنظرة نقدية، وتفكيك الثنائيات الزائفة وتقييم أي سلطة وفق معايير الحقوق والحريات والكرامة الإنسانية، كما يجب بناء سردية شعبية مستقلة، والتشكيك في أي حركة سياسية تعد بالخلاص دون مشروع ديمقراطي واضح، فبهذه المبادئ فقط يمكن تفادي الوقوع مجدداً في لعبة السلطة.
بإمكان مجتمع كهذا، ولأول مرة في تاريخه المعاصر، إعادة تعريف السلطة من أعلى الهرم إلى أسفله، أي أنه بدلاً من تركيز السلطة في أيدي فئة محدودة كما كان في الماضي، ستُوزع على الشعب وستنشأ دورة جديدة قائمة على المشاركة والحرية والمسؤولية الجماعية، لن يقع مجتمع استخلص العبر من تجارب الماضي المريرة في فخّ الروايات التي انبثقت من صميم البنى الاستبدادية نفسها، في مثل هذه البيئة وبدلاً من الانجرار وراء شعارات متحيزة ومتناقضة لا تُعيد إلا إنتاج دورة السلطة القديمة، سيهتم الناس بالمبدأ الأخلاقي والإنساني للشعار مبدأ يتجاوز الأسماء والرموز، مثل الموت للطاغية، سواء أكان ملكاً أم زعيماً هذه العبارة ليست دعوة للعنف، بل تذكير بمعيار يقول إن المشكلة ليست في الفرد، بل في البنية القمعية التي من يعتمد عليها سينزلق إلى الاستبداد، إن المجتمع الذي يقبل هذا المعيار لن ينخدع بعد الآن بالشخصيات الجديدة في السلطة، ويمكنه لأول مرة استبدال معيار الحرية بمعيار السلطة.