مدينة المرأة في جزير... مدينة تُبنى بلون المرأة
تم إعادة افتتاح المؤسسات النسائية التي أُغلقت خلال فترة الوصاية من قبل النظام التركي على مدن شمال كردستان، وجاري العمل على مشروع "مدينة المرأة" في مدينة جزير لتكون نموذج للحياة المتساوية يُبنى على إرث نضال النساء ومقاومتهن.
أكين ستيرك
آمد ـ في مدينة جزير شمال كردستان، يبرز مشروع "مدينة المرأة" بوصفه أحد أبرز التجارب المحلية التي تربط بين الإدارة الذاتية والعمل الاجتماعي والثقافي، بهدف إعادة صياغة الفضاء العام من منظور نسوي يقوم على المساواة والمشاركة.
أطلقت هيئة المرأة في الإدارات المحلية الديمقراطية التابعة لحزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM Parti) خلال الأشهر الماضية سلسلة مؤتمرات تحت شعار "نتحول إلى الكومينات بإرادة المرأة، ونبني المجتمع الحر عبر الإدارات المحلية".
واختُتمت هذه المؤتمرات يومي 6 و7 حزيران/يونيو في آمد شمال كردستان، فيما خُصص المؤتمر العام المنعقد يومي 8 و9 حزيران/يونيو الجاري لمناقشة حصيلة أعمال البلديات خلال العامين الماضيين، والجوانب التي لم تُنجز، وخطط العمل للمرحلة المقبلة.

الرئيسة المشتركة لبلدية جزير غولر تونج يارباسان عرضت تفاصيل هذا المشروع ضمن سلسلة من الأنشطة والبرامج التي أعادت إحياء المؤسسات النسائية التي أُغلقت خلال فترة الوصاية، إلى جانب إطلاق مبادرات اقتصادية وثقافية واجتماعية تهدف إلى تعزيز حضور المرأة في الحياة العامة ومواجهة أشكال التهميش والعنف.
خلال المؤتمر الذي انعقد تحت شعار "البلدية هي الكومين، والكومين هو البلدية"، أوضحت غولر تونج يرباسان أنهم ناقشوا الأعمال التي أُنجزت خلال العامين الماضيين، وأن المؤسسات النسائية التي أُغلقت خلال فترة تعيين الأوصياء الحكوميين قد أُعيد افتتاحها، إلى جانب مواصلة مشاريع مدينة المرأة.
وقالت إن المشاركين والمشاركات اجتمعوا لتقييم الأعمال المنفذة ومناقشة سبل معالجة المشكلات وإيجاد الحلول المناسبة لها، وأن أعمال يومين من المؤتمر خصصت للنساء ويومين بمشاركة مشتركة "اجتمعنا هنا لمناقشة الأعمال التي نفذناها خلال العامين الماضيين، والمجالات التي لم نحقق فيها المستوى المطلوب، إضافة إلى المشاريع والخطط المستقبلية، والعمل على إيجاد حلول للمشكلات القائمة".
"النساء تُركن بلا بدائل"
وأشارت محدثتنا إلى أن فترة الوصاية الحكومية خلفت أضراراً كبيرة في المؤسسات النسائية، مؤكدةً أنه بعد الانتخابات المحلية لعام 2024 بدأت البلديات العمل مجدداً على إعادة فتح المراكز والمساحات الخاصة بالنساء "يوجد هنا العديد من الرؤساء المشتركين للبلديات وأعضاء المجالس المنتخبين كمندوبين".
وأوضحت أن الفترة بين عامي 2009 و2014 شهدت أعمالاً مهمة في مجال المرأة، لكن "للأسف بدأت مرحلة الوصاية الحكومية عام 2016 واستمرت نحو عشر سنوات، وخلال هذه الفترة سُلبت البلديات من إداراتها المنتخبة، وأُغلقت جميع المؤسسات النسائية أو نُقلت إلى جهات أخرى أو أُزيلت بالكامل، وبهذا تُركت النساء دون أي بدائل لكن بعد الانتخابات المحلية لعام 2024 وتسلمنا إدارة البلديات، بدأت معظم البلديات بإعادة افتتاح هذه المؤسسات وإعادة بنائها من جديد".
"مدن المرأة تحمل رسالة"
وأوضحت غولر تونج يرباسان أن مدينة جزير تُعد إحدى المناطق النموذجية التي أُعلنت كـ "مدينة للمرأة"، مشيرةً إلى أن الهدف من هذا المشروع هو تعزيز نضال المرأة في المدن التي تشهد سياسات ضغط واستهداف مكثفة ضد النساء "على مستوى الإدارات المحلية تم إعلان خمس مدن كمدن للمرأة واختيارها كمناطق نموذجية، وهي آمد، نصيبين، جزيرة، كاور (يوكسك أوفا)، وقضاء إدرميت التابع لولاية وان".
وأضافت "عندما نعلن مدينة ما مدينةً للمرأة، فإننا نتحدث أيضاً عن معنى هذه التسمية وما تحمله من مسؤولية وأهمية، فلقد شهدنا خلال السنوات العشر أو الخمس عشرة الماضية، وخصوصاً منذ بدء مرحلة الوصاية الحكومية، ترسخ عقلية ذكورية وهيمنة أنماط تفكير سلطوية لذلك فإن اختيار هذه المناطق النموذجية، وخاصة في شمال كردستان، يحمل في الوقت نفسه رسالة قوية وواضحة".
أهمية مشروع مدينة المرأة
وتطرقت الرئيسة المشتركة لبلدية جزير، غولر تونج يرباسان، إلى أهمية مشروع مدينة المرأة بالقول أن "إعلان مدنٍ للمرأة في المناطق التي تشتد فيها سياسات الاستهداف الممنهج، وتتزايد فيها جرائم قتل النساء، وتتعرض النساء فيها لسياسات المخدرات والاستغلال الجنسي، يسهم في إظهار حجم الأعباء والمشكلات التي تعاني منها النساء فمدينة المرأة تعني إعادة تشكيل المدينة بلون النساء، وبصوتهن، ومن منظورهن ولا يعني ذلك نموذجاً تدير فيه النساء وحدهن المدينة أو تقتصر السلطة فيه على النساء فقط، بل الهدف هو بناء نظام يقوم على المساواة والتمثيل المتكافئ، ونحن نواصل العمل اليوم انطلاقاً من هذا الفهم".
لقاءات مع النساء في الأحياء المختلفة

وأوضحت أنه تم عقد لقاءات واسعة مع النساء قبل إعلان جزير مدينةً للمرأة، للاستماع إلى مطالبهن ومقترحاتهن "قبل نحو ثلاثة أو أربعة أشهر أطلقنا هذا المشروع وأعلنا جزير مدينةً للمرأة لكن قبل ذلك عقدنا لقاءات مع النساء في ما بين عشرة وخمسة عشر حياً سكنياً، وطرحنا عليهن أسئلة مثل: هل ترغبن في مدينة للمرأة؟ كيف تتصورن هذه المدينة؟ ولماذا هناك حاجة إليها؟ واستمعنا إلى مطالبهن ومقترحاتهن".
وخلال هذه اللقاءات برزت شكاوى متكررة تفيد بأن النساء حُصرن داخل المنازل خلال السنوات العشر الأخيرة، بل ربما لفترة أطول، وأن المساحات المخصصة للنساء تكاد تكون معدومة، كما أن الأماكن المهيأة للأطفال غير كافية، وانطلاقاً من هذه الاحتياجات تشكلت فكرة إعلان المدينة كمدينة للمرأة.
من مركز المدينة إلى القرى
العمل لا يقتصر على مركز المدينة، بل يمتد أيضاً إلى القرى التابعة لها، بحسب ما توضح غولر تونج يرباسان "نحمل هذه المشاريع إلى القرى أيضاً، التي ننفذ فيها عدداً من البرامج المختلفة، وقد بدأنا بالفعل العمل في ثلاث أو أربع قرى، وسيتواصل هذا العمل خلال المرحلة المقبلة، كما نقوم بزيارات ميدانية للأحياء والمنازل، ونسعى للوصول إلى النساء داخل بيوتهن، ونتحدث معهن حول قضايا العنف، ونقيّم احتياجاتهن ونوصلهن بالدعم النفسي، ونسجل جميع هذه المعطيات لمتابعتها".
إعادة افتتاح مديرية سياسات المرأة
عند تسلمهم إدارة البلدية لم تكن هناك مديرية مختصة بسياسات المرأة، فهذه المديرية كانت قد أُغلقت خلال فترة الوصاية الحكومية "عندما تولينا مهامنا لم تكن مديرية سياسات المرأة موجودة، فقد أُغلقت عام 2016 خلال فترة الوصاية الحكومية لذلك قمنا بإعادة افتتاحها من جديد، كما أعدنا إلى العمل زميلاتنا وزملاءنا الذين كانوا يعملون في مجال سياسات المرأة وتم فصلهم خلال تلك المرحلة، الأمر الذي ساعدنا على تسريع وتيرة العمل".
مواصلة النضال ضد العنف
مديرية سياسات المرأة تضم ثلاث وحدات أساسية هي (وحدة الاقتصاد، ووحدة مكافحة العنف، ووحدة التعليم)، وجميعها تواصل نشاطها في مجالاتها المختلفة.
لكن إعلان جزير مدينةً للمرأة أو استعادة إدارة البلدية لا يعني انتهاء المشكلات التي تواجه النساء كما تقول غولر تونج يرباسان "تصلنا بين الحين والآخر حالات مختلفة تتطلب التدخل والمتابعة، فإعلان المدينة مدينةً للمرأة أو تسلمنا إدارة البلدية لا يعني أن جرائم قتل النساء قد توقفت، كما أن السياسات المرتبطة بالمخدرات والاستغلال الجنسي ما زالت مستمرة، ولذلك فإن مواجهة البلدية لهذه القضايا مستمرة".
تحويل البلدية إلى كومين شعبي
المؤتمر هدف كذلك إلى مناقشة بناء المجتمع الديمقراطي، ودور الإدارات المحلية في هذه العملية، كما أشارت محدثتنا أيضاً إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب استعدادات جديدة "إن الهدف من مؤتمر اليوم هو تحويل البلدية إلى فضاء مجتمعي قائم على مفهوم الكومين، وجعلها أكثر ارتباطاً بالشعب، ومن خلال هذه المؤتمرات نسعى إلى إبراز أدوار المرأة والأطفال والشباب والمجتمع بصورة أوضح".
وأضافت "نحن مقبلون على مرحلة مكثفة ومهمة، حيث نشهد عملية بناء ديمقراطي إلى جانب مسار للسلام، ومع تطور هذه العملية ستبدأ مرحلة جديدة تضطلع فيها الإدارات المحلية بدور أكثر فاعلية وتأثيراً في المجتمع، ويمكننا بالفعل وصفها بأنها مرحلة جديدة بكل معنى الكلمة".
مشاريع لتعزيز تشغيل النساء
الرئيسة المشتركة لبلدية جزير، أكدت أنه يتم العمل على تطوير مشاريع جديدة لزيادة مشاركة النساء في الحياة الاقتصادية "أنشأنا بستان المدينة النسائي، وقبل نحو عشرة أيام افتتحنا رسمياً مشروع بستان المدينة النسائي التعاوني، وتعمل فيه حالياً ما بين ست وسبع نساء، كما نواصل جهودنا الميدانية لزيادة هذا العدد، وهدفنا هو إيجاد مجال عمل يتيح للنساء بيع الخضروات والأعشاب التي تُزرع في البساتين، ولذلك قمنا بإطلاق هذا المشروع وافتتاحه رسمياً".
كما تم افتتاح مركز الورش النسائية ومن المخطط أن يكون مساحة اجتماعية مخصصة للنساء والطلاب "تعمل في هذا المركز كذلك ما بين ست وسبع نساء وهو مكان يمكن للطالبات والطلاب والنساء القدوم إليه للراحة، وقراءة الكتب، والدراسة، وقضاء الوقت في بيئة مناسبة".
وهناك مشروع آخر يتمثل في إنشاء بستان للحمضيات "لدينا نحو ألفي شجرة من أشجار الحمضيات وسنقوم بإنشاء بستان على مساحة تقارب 8 دونم، كما ستُوفَّر فيه فرص عمل للنساء، أما الليمون واليوسفي الذي سيُنتج في هذا البستان فسيُباع في نقاط بيع مخصصة، وستتولى النساء أنفسهن عملية التسويق والبيع".
"نسعى إلى إزالة أوجه عدم المساواة"
وأكدت غولر تونج يرباسان استمرار عدد من المشاريع والخدمات الموجهة للنساء، مثل خط المساعدة الخاص بمكافحة العنف ضد المرأة، ومشروع "جين كارت"، والبرامج الصحية، ومتجر التضامن الاجتماعي، وقالت إن المدينة شهدت خلال سنوات الوصاية الحكومية تفاقماً في أوجه عدم المساواة، وإن البلدية تعمل على معالجتها.
سياسات الوصاية الحكومية خلال السنوات العشر الماضية أدت إلى حدوث فراغ كبير على مستوى الإدارات المحلية، وظهرت في المدن أشكال واضحة من عدم المساواة، ولذلك "نحاول خلال السنوات الخمس المقبلة معالجة هذه الاختلالات سواء على مستوى المدينة أو في فضاء المجتمع المدني، ونعمل على إنشاء مساحات تستطيع المرأة أن تكون فيها حاضرة بألوانها وإرادتها وهويتها، على أساس التمثيل المتساوي والمشاركة العادلة".
"نستلهم إرث مقاومة المرأة"
مدينة جزير تُعرف بتاريخها الطويل في مقاومة النساء ونضالهن، وتؤكد محدثتنا أن مشروع مدينة المرأة يستند إلى هذا الإرث التاريخي "لطالما عُرفت جزير بتاريخها ومقاومتها ففي تسعينيات القرن الماضي شهدت المدينة انتفاضة قادتها نساء مثل بيريفان وعندما ننظر إلى مرحلة 2015-2016 نرى أيضاً نضالاً ومقاومة قادتها شخصيات نسائية مثل سيفي، وباكيزه، وآسيا، وبرجين، وفريدة".
مدينة المرأة تعني بناء مدينة تستطيع المرأة فيها التعبير عن لونها الخاص، وروحها، وصمودها، ونضالها، وهويتها، وكلمتها الحرة وهو ما اختتمت به الرئيسة المشتركة لبلدية جزير غولر تونج يرباسان "عندما نقول مدينة المرأة، فإننا لا نعني أن الرجال لا دور لهم أو لا تقع عليهم أي مسؤولية بل على العكس، فنحن نعمل بصورة جماعية مع الرؤساء المشتركين وبقية الزملاء والزميلات، ومع نساء المدينة، لبناء مدينة تُبرز مساواة المرأة وإرادتها وروحها وحضورها الفاعل ومن هذا المنطلق أعلنّا جزيرة مدينةً للمرأة".