مدارس إيران... من منابر للعلم إلى دروع بشرية لحماية السلطة
بدأت السلطات الإيرانية عسكرة المدارس في مدينة كرمشان، وسط ضغوط لإلزام الطلاب بارتداء قلادات هوية عسكرية حربية، مما أثار مخاوف من استغلال المنشآت التعليمية كدروع بشرية وأهداف عسكرية.
سارة بورخزاري
كرماشان ـ تواجه المنظومة التعليمية في إيران موجة متصاعدة من "العسكرة" إذ أتخذ طابعاً بصرياً وميدانياً داخل المؤسسات التربوية، من خلال نشر الأعلام، وتوزيع أكياس الرمل في الباحات المدرسية لتهيئة أجواء تحاكي الجبهات العسكرية.
في كرمشان تغطي الأعلام أرجاء المدرسة كافة، وبالقرب من المدخل، وإلى جانب حصنٍ مؤقت أُنشئ من أكياس الرمل، وُضعت أحذية عسكرية ونماذج لأسلحة، وعلى إحدى الكوفيات (الأوشحة التقليدية)، تظهر بقعة دمٍ جاف، وكأن مرتديها قد أُصيب خلال محاكاةٍ لمعركة، كما تتدلى بطاقات تعريف عسكرية من أماكن متفرقة داخل المساحة المموهة، وعلى منصة مرتفعة يتحدث رجلٌ عن المقاومة والصمود والنضال، وفي هذه الأثناء يقف الأطفال خلال الطابور الصباحي بملامح يملؤها الذهول والشرود غير مدركين لما يجري حقاً بينما تتجه أنظارهم نحو المتحدث، هذا المشهد ليس مقتبساً من "منظمة شباب هتلر" أو من تجمعٍ حضره أدولف هتلر وبالدور فون شيراخ، بل هو وصف لما يحدث في مدرسةٍ حكومية في مدينة كرماشان.
منذ بداية العام الدراسي، انتشرت مقاطع فيديو عديدة على مواقع التواصل الافتراضي تُظهر تحول البيئات المدرسية إلى ما يشبه البيئات العسكرية حيث يُعامل الطلاب كعسكريين ويتجولون في أرجاء المدرسة كجنود، بينما تتواجد القوات العسكرية في حرمها، لكن هذه الأخبار تصدرت عناوين الأخبار عندما نشر رجل إطفاء زار إحدى المدارس مقطع فيديو يشرح فيه أن إدارة المدرسة (دون ذكر اسمها) تلقت أوامر من جهات عليا بصنع لوحات تعريفية للطلاب.
"مدارس كرماشان أقامت حواجز رمزية في ساحاتها"
وتكشف تصريحاته أن هذه اللوحات هي نفسها التي يرتديها الجنود في الحروب لتمييز هوياتهم في حال استشهادهم، ويُفهم من هذا الإجراء أن الهدف هو تحديد هوية الطلاب من خلال هذه اللوحات في حال تعرضت المدرسة لهجوم صاروخي.
بعد نشر الخبر وردود الأفعال الاحتجاجية الواسعة من الجمهور، سارعت الحكومة إلى نفيه عبر وسائل إعلامها التابعة، مثل وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية "إرنا" و"تسنيم" و"هامشهري" وغيرها، إلا أن مراجعة تاريخ النفي الرسمي من جانب الجمهورية الإسلامية تُظهر أنه في كثير من الحالات، عندما تنفي الحكومة بشكل مباشر وجود قضية ما، فإنها تكون موجودة بالفعل.
وتؤكد شهادات شهود عيان في كرماشان وجود شائعات حول تطبيق هذا الإجراء في عدد من المدارس الحكومية الواقعة ضمن نطاق اختصاص منظمة استخبارات حقول النفط بعد، سماع الخبر توجهت العائلات إلى المدارس وتواصلت مع الإدارات، مما حال دون تنفيذ الخطة كما نفى مديرو المدارس الأمر أمام أولياء الأمور، مع ذلك تشير تقارير محلية إلى أن بعض مسؤولي المدارس حاولوا خلال اجتماعات أولياء الأمور والمعلمين تقديم الفكرة كإجراء ضروري ومبرر، بحيث لا يُمكن اعتبار مبدأ هذا الإجراء خاطئاً في حال اتخاذه، ازدادت حساسية القضية في كرماشان لدرجة أن سليمان محبي، مدير عام التربية والتعليم في محافظة كرماشان نفى هذه القضية في بيان صحفي رسمي لوكالة أنباء فارس لكن الأمر لا يقتصر على اللوحات التذكارية، فقد أفاد كثيرون بأن نسبة كبيرة من مدارس كرماشان أقامت حواجز رمزية في ساحاتها، ما جعل البيئة التعليمية أشبه بمنطقة حرب.
تقول الصحفية ميترا. ب "يمكن اعتبار عسكرة المدارس في الأنظمة الديكتاتورية استثماراً طويل الأمد بالنسبة لها، لأنها تدرك أن المدرسة إلى جانب المجتمع من أهم الأماكن لتشكيل معتقدات وأفكار جيل الشباب، لذا من خلال تحويل البيئة التعليمية إلى فضاء أشبه بالبيئة العسكرية تُحول هذه الأنظمة جيل الشباب إلى جماعة مطيعة يجب أن تكون مستعدة للقتال والتضحية في أي لحظة، وعندما تُوزع لوحات الهوية على الطلاب في بعض مدارس البلاد، يصبح المعنى واضحاً وهو لدى الحكومة خطة لاستخدام الأطفال كدروع بشرية".
من البيئات التعليمية إلى الأهداف العسكرية
وتضيف "لقد شهدنا مراراً وتكراراً كيف حولت الحكومة المدارس إلى بيئات لتحقيق أهدافها العسكرية والسياسية، فخلال الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها البلاد مطلع العام الجاري والانتفاضة الشعبية، وغيرها من الصراعات السابقة حٌولت المدارس إلى أماكن لنشر القوات وآلات القمع، حتى أن جثث العديد ممن قُتلوا في الاحتجاجات نُقلت إلى ساحات المدارس، كما وردت تقارير عديدة تفيد باحتجاز معتقلين في المدارس تحت سيطرة قوات الأمن قبل نقلهم في نهاية المطاف إلى السجون، وفي الحروب الأخيرة شهدنا أيضاً قيام الجمهورية الإسلامية بنقل منصات إطلاق الصواريخ إلى المدارس لتوفير درع واقٍ لها، وبناءً على ذلك يمكنني القول إن مدرسة ميناب كانت أيضاً ضحية لنشر الحكومة للمعدات العسكرية في المؤسسات التعليمية، والآن تُهيئ الجمهورية الإسلامية الأطفال للموت من خلال توزيع لوحات تعريفية على الطلاب ومن خلال تهيئة المدارس والفصول الدراسية كجبهة حرب، فإنها توجه مسارهم الفكري بطريقة ترسخ في أذهانهم الاعتقاد بضرورة الاستعداد للمعركة والموت، في الواقع يمكننا القول إن الأطفال في هذا النظام يمثلون بدائل للتضحية بهم في سبيل الحفاظ على النظام".
طلاب بدون كتب
إضافةً إلى تحويل المدارس إلى قواعد عسكرية وإجبار الطلاب على الحضور إلى الفصول الدراسية، وردت تقارير عن عدم توزيع الكتب المدرسية بعد شهر من بدء العام الدراسي، وأشارت مصادر إخبارية مختلفة إلى أن العديد من الطلاب ما زالوا يذهبون إلى المدرسة بدون كتب، وقد عزت وسائل الإعلام الحكومية هذا التأخير إلى عوامل مثل نقل الطلاب؛ لكن السؤال الأهم هو: في ظل غياب الكتب المدرسية، لماذا تُصر الحكومة على حضور الطلاب فصولاً دراسية تُشبه جبهة حرب؟