مارغريت جورج شيلو… رحيل غامض وبطولة خالدة
من ممرضة شابة إلى أسطورة تتناقلها الأجيال، كتبت مارغريت اسمها في التاريخ بدمها وصورها وصدى حضورها الذي لم يخفت رغم رحيلها الغامض.
مركز الأخبار ـ لم تكن مارغريت جورج شيلو مجرد مقاتلة في صفوف البيشمركة؛ كانت امرأة آشورية شابة كسرت كل القواعد، ووقفت في موقع لم يجرؤ كثير من الرجال على الوقوف فيه.
في زمن كانت فيه البنادق حكراً على الرجال، ظهرت مارغريت جورج شيلو لتقود وحدة عسكرية كاملة، وتتحول إلى رمز للقوة والجرأة، وإلى "أم البيشمركة" كما أحبّ الكثيرون أن يلقبوها.
من قلب ثورة أيلول
في خضم الحرب الأولى بين العراق والكرد، تلك الحرب التي اشتعلت بين عامي 1961 و1970، برز اسم مارغريت شيلو كأول امرأة آشورية تنضم إلى البيشمركة، وأول امرأة تتولى قيادة قوة قتالية في صفوفهم. في تلك السنوات المضطربة، كانت مارغريت واحدة من أكثر الشخصيات التي لفتت الأنظار.
انضمت إلى البيشمركة وهي في العشرين من عمرها، بعد هجمات عناصر موالين للحكومة العراقية عام 1963. وفي وقت كان فيه الآشوريون منقسمين بين موالين للحكومة وسكان القرى المتعاطفين مع الكرد، اختارت مارغريت جورج شيلو طريقها بوضوح: طريق المقاومة.
امرأة تقود الرجال وتنتصر
لم تكن مارغريت شيلو مجرد مقاتلة؛ كانت أول امرأة في العراق، بل وعلى مستوى العالم، تقود وحدة عسكرية مؤلفة بالكامل من الرجال. هذا وحده كان كافياً ليجعلها محط اهتمام الصحافة الأوروبية، التي لقّبتها بـ "جان دارك الثورة الكردية".
قادَت رجالها في معارك حقيقية، وحققت انتصارات بارزة، أبرزها في وادي زاواتا، حيث أثبتت أن القيادة ليست حكراً على جنس دون آخر. لكن مسيرتها توقفت فجأة عام 1969، حين قُتلت في ظروف غامضة ما زالت تثير الأسئلة حتى اليوم.
من ممرضة إلى قائدة
وُلدت مارغريت شيلو في 21 كانون الثاني/يناير عام 1942 في قرية دورا الجبلية بمحافظة دهوك. كانت من عائلة مسيحية آشورية بسيطة، لكن حياتها لم تكن بسيطة أبداً. حاول والدها تزويجها، لكنها رفضت الزواج، وفضّلت طريقاً آخر.
بدأت حياتها كممرضة، لكن مقتل أحد القادة البارزين دفعها إلى الواجهة. إيمانها المسيحي، ودعم عائلتها، ورغبتها في القتال جعلوها تتحدى الأعراف التي منعت النساء المسلمات من حمل السلاح. وهكذا أصبحت مارغريت شيلو اسماً يُتداول في كل معسكر وكل جبهة.
كانت تدرك أن صورتها تحمل رسالة. لذلك حرصت على نشر صورها بزيّها العسكري، لتقول للنساء "مكانكن هنا أيضاً". التقط لها المصوّر الكردي زاهر رشيد عشرات الصور التي انتشرت في جبال العراق، ثم عبرت الحدود إلى أوروبا، لتصبح رمزاً للقضية الكردية. حتى أن مقاتلات البيشمركة حملن صورها في المعارك كتعاويذ للحظ والقوة. وما زالت بعضهن يفعلن ذلك حتى اليوم. وبعد رحيلها، تحولت قصتها إلى أغاني شعبية وحكايات تتناقلها الأجيال.
ورغم أنها لم تنضم لأي حركة آشورية أخرى، فإنها دعمت كل الجهود التي سعت إلى تأسيس حركة آشورية مستقلة.
لم يكن لقب "جان دارك كردستان" وحده ما التصق بها. فقد عُرفت أيضاً بـ "شاميرام الثانية"، "أم كردستان"، و "أم البيشمركة".
ويرى مسيحيو إقليم كردستان فيها قدوة ملهمة، لأنها أول امرأة مسيحية تحمل السلاح في العراق. وتتزايد المطالب في إقليم كردستان اليوم ببناء تمثال لها تخليداً لذكراها.
رحيل غامض
قُتلت مارغريت في 26 تموز/يوليو 1969 في قرية قُمريك بمنطقة متينا. لم تُعرف الحقيقة كاملة، ولم تُحفظ رسائلها أو مذكراتها، وكأن أحداً أراد أن يترك موتها بلا إجابات.
لكن ذكراها لم تختفِ. ففي 26 حزيران/يونيو 2018، أُعيد فتح قبرها وتجديده، ووقفت شقيقتها هناك، شاهدة على أن الأسطورة ما زالت حيّة.