كيف تحافظ نساء كابول على حضورهن الاجتماعي وسط القيود؟

كان معرض بادام‌باغ في كابول، رغم القيود المشددة، ساحةً لحضور نساءٍ يواصلن السعي للحفاظ على دورهن الاجتماعي واستقلالهن الاقتصادي. هذا الحضور يعكس استمرار الأمل والمقاومة، ويظهر أن إرادة النساء لا تزال حيّة رغم كل الضغوط المفروضة عليهن.

بهاران لهيب

كابول ـ وسط أجواء تعكس القيود المفروضة على النساء، أقيم معرض للصناعات اليدوية والزراعية في العاصمة الأفغانية كابول خلال الفترة من 21 إلى 25 نيسان/أبريل الجاري، حيث سُمح للنساء بالمشاركة فقط من خلال بيع الملابس التي قمن بإنتاجها. وقد عبرت بعض التاجرات بسخرية عن واقعهن بقولهن إن طالبان لا ترى للنساء دوراً سوى الخياطة والطبخ، ولا تعترف لهن بأي مهنة أخرى.

أُعيد تشغيل المزرعة البحثية في منطقة بادام‌باغ في العاصمة كابول عام ۱۳۹۱ على يد وزارة الزراعة في الحكومة السابقة. وكانت هذه المزرعة قائمة قبل الغزو السوفييتي لأفغانستان، إلا أنها تحولت بفعل الحروب المتعاقبة إلى أطلال مهدمة، قبل أن ترمم وتعاد إليها الحياة من جديد.

قبل سيطرة طالبان على الحكم عام 2021، كان جميع موظفي هذه المزرعة وفلاحيها من النساء اللواتي تلقين تدريبات في مجالات مختلفة. وعندما زرنا المعرض، كان جمال الحديقة ونضارتها يبدوان من بعيد؛ تلك الحديقة التي بنيت بجهود نساء مجتهدات حرمن اليوم من كثير من الأنشطة. في الحكومة السابقة، كان عدد كبير من الفنانين والفنانات يُقيمون حفلات موسيقية في هذه الحديقة، أما اليوم فقد اكتسب المكان طابعاً قمعياً.

من بوابة الحديقة وحتى موقع المعرض، كانت مركبات طالبان العسكرية منتشرة، وعلى طول الطريق المؤدي إلى الحديقة كان يظهر مسلح كل بضع خطوات.

كانت النساء المشاركات في عرض منتجاتهن محصورات داخل صالة واحدة لا تضم أكثر من أربعين جناحاً، وقد أُحيطت الصالة بستار قماشي يفصلها عن بقية المساحة. وما إن يتجاوز الزائر هذا الحاجز ببضع خطوات، حتى يجد نفسه في مواجهة عناصر الأمر بالمعروف الذين كانوا يمنعون الدخول بحدة.

أما النساء اللواتي كن يرغبن بالوصول إلى الجهة الأخرى من الجدار، فكن يضطررن لتقديم مبررات بأنهن ذاهبات لشراء المنتجات الزراعية، وبعد التفتيش يسمح لهن بالعبور.

تصاريح تحت الرقابة

عندما وصلت مراسلتنا إلى الموقع، وجدت نفسها في فضاء يغلب عليه الطابع الذكوري، وكانت نظرات الاستغراب من حولها توحي بأن وجودها غير مألوف. وأثناء محاولتها التحدث مع الباعة، كان يقف عند كل جناح عنصر من طالبان يراقب الحوار بدقة، حرصاً على ألا تُقال أي كلمة تعد مخالفة لهم. هذا الحضور الأمني المكثف جعل معظم أصحاب الأجنحة يترددون في الإدلاء بأي تصريح.

وسط هذه الأجواء، تحدثت لوكالتنا زهرة حبيبي، التي قدمت نفسها قائلة "أنا مسؤولة ورشة الإنتاج الحبيبي. جئنا اليوم للمشاركة في هذا المعرض، وتتركز منتجاتنا على الملابس التي نصنعها وفقاً لطلب الزبائن".

ثم أوضحت طبيعة ما تنتجه ورشتها "نصنع الملابس الرجالية، إضافة إلى الحقائب اليدوية"، مضيفة "أسسنا هذه الورشة قبل نحو ست سنوات. عدد العاملين لدينا يتغير تبعاً لحاجة السوق، لكننا نملك حالياً ثمانية موظفين دائمين. كان العدد أكبر في السابق، إلا أن الظروف الراهنة أجبرتنا على تقليصه".

 

 

"يجب على النساء إظهار مواهبهن"

في جناحٍ آخر، حضرت محبوبة سادات، التي أسست قبل ثلاث سنوات ورشة "بيروج مايل". كانت في السابق ناشطة مدنية، إلا أن ظروفاً صعبة دفعتها إلى التوجه نحو العمل التجاري. وقالت "يعتمد عملنا على الأحجار الأفغانية. نستخدم مختلف أنواع الأحجار الكريمة ونطوعها في النحاس. وخلال السنوات الثلاث الماضية، يعمل معي ثمانية أشخاص من النساء والرجال". 

وعن المنتجات اليدوية التي تصنعها النساء، أوضحت أنهن يبدعن في إنتاج قطع متنوعة باستخدام الخرز والأحجار الكريمة، ويتمتعن بمهارة ودقة لافتتين في هذا المجال، معربة عن سعادتها بإقامة المعرض.

وفي ختام حديثها، وجهت محبوبة سادات رسالة للنساء قائلة "يجب ألا يخفين مواهبهن أبداً. لتستفدن من أصغر مهاراتهن ويعملن، فذلك يساعدهن على دعم أسرهن ومجتمعهن".

 

 

يمكن القول إن معرض بادام‌باغ، إلى جانب عرضه لقدرات النساء، قد كشف أيضاً صورة واضحة عن القيود والضغوط المفروضة عليهن. فالنساء اللواتي كن في الماضي يلعبن دوراً فعالاً وحاسماً في هذا المكان، أصبحن اليوم يعملن ضمن إطار ضيق وتحت رقابة مشددة. ومع ذلك، فإن جهودهن وصمودهن يبرزان حقيقة أن الأمل في العمل والتقدم يبقى حياً حتى في أصعب الظروف.