كيف أسهمت الصحافة الكردية في تشكيل هوية المرأة عبر أكثر من قرن؟
إن الثاني والعشرين من نيسان ليس مجرد ذكرى صدور العدد الأول من صحيفة "كردستان"، بل محطة للتأمل في تاريخٍ خرجت فيه المرأة الكردية من دائرة الصمت إلى فضاء الجرأة.
هيفي صلاح
السليمانية ـ 22 نيسان/أبريل 1898 لم يكن مجرد تاريخ صدور أول صحيفة كردية، بل محطة مهمة لفهم تطور مكانة المرأة الكردية التي خرجت من دائرة الصمت إلى فضاء التأثير. فبعد جهود أسرة بدرخان في القاهرة، أصبحت نساء مثل حبسة خان نقيب ومستورة أحمد قوة محركة في دعم كسر القيود الاجتماعية داخل الإعلام وتاريخ الصحافة، دون الإشارة إلى المرحلة التي كانت فيها النساء يكتبن بأسماء مستعارة خوفاً من الظروف السياسية والاجتماعية.
استمر هذا الوضع حتى ظهرت روشن بدرخان في مجلتي "هاوار" و"روناهي" باسمها الحقيقي، لتفتح باباً واسعاً أمام حضور المرأة. وقد جاء هذا النشاط التنويري في وقت كان فيه الشعب الكردي تحت ظلم الدولة العثمانية، بينما اتخذت أسرة بدرخان من القاهرة ملجأً للهروب من رقابة السلطان عبد الحميد الثاني، كي يوصلوا صوت شعبهم إلى العالم ويعملوا على رفع وعي الفرد الكردي قومياً وعلمياً.
حماية اللغة والتاريخ الكردي
لم تكن صحيفة "كردستان"، بوصفها أول محطة في مسار الصحافة الكردية، مجرد منشور عادي، بل تحولت إلى مركز معرفي وسياسي يهدف إلى توعية الكرد قومياً وعلمياً. فقد ركز مقداد مدحت بدرخان من خلال الصحيفة على أهمية التعليم والقراءة، ودعا المثقفين إلى حماية اللغة والتاريخ الكردي، والابتعاد عن الصراعات العشائرية، باعتبار ذلك جزءاً من مشروعه لرفع مستوى الوعي المجتمعي.
ورغم الضغط السياسي الشديد الذي مارسته الدولة العثمانية على أسرة بدرخان، لم تتوقف الصحيفة، بل نُقل مقر إصدارها من القاهرة إلى جنيف ثم لندن وفوكستون، كي يستمر صوت الحرية. وبعد مقداد مدحت، تولّى إخوته مهمة إصدار الأعداد المتبقية، وتمكنوا في النهاية من نشر واحد وثلاثين عدداً، بقي كل واحد منها شاهداً تاريخياً على الإصرار والنضال المعرفي والسياسي للشعب الكردي في تلك المرحلة.
مستورة أحمد كسرت أولى الجدران الاجتماعية
إن تاريخ الصحافة الكردية مسار مليء بالتحديات والمرتفعات، بدأ مع صدور صحيفة "كردستان" التي أصبحت محطة أساسية لحماية اللغة والتاريخ والهوية القومية. لكن هذا المسار يبقى ناقصاً إذا لم يُذكر دور النساء، لأنهن في زمن كان اسم المرأة فيه خطاً أحمر، اخترن الكتابة بأسماء مستعارة مثل نرجس وكجە كورديك لكسر جدران الصمت، حمايةً لعائلاتهن وخوفاً من الظروف السياسية.
في ذلك الوسط، كانت حبسة خان نقيب قوة محركة وداعمة لصحف عدة، بينما كانت كتاباتهن سلاحاً ناعماً في مواجهة القيود. ثم جاءت مستورة أحمد لتكون أول من يكسر الجدران الاجتماعية في صحيفة "ژیان" (الحياة)، فاتحةً الباب أمام حضور المرأة في الإعلام الكردي.
واستمر هذا التحول حتى ظهرت روشن بدرخان في دمشق، حيث صنعت من خلال مجلتي "هاوار" و"روناهي" منعطفاً تاريخياً، وكتبت باسمها الحقيقي، مسجلةً مرحلة جديدة في تاريخ الإعلام الكردي. كما أن بيروزة خان زوجة بيرميرد كتبت باسمها الحقيقي في مجلة "كلاويج" عام 1939، مطالبةً بحقوق النساء، بينما كانت حفصة خان وبهية خان في طهران وبغداد يفتحن طرقاً جديدة للمرأة الكردية.
كل هذه الجهود شكلت الأساس للحرية التي نعيشها اليوم في عام 2026، رغم أن الإحصاءات تشير إلى استمرار التحديات أمام الصحفيات؛ ففي عام 2024 كان نحو 10% فقط من أصل 182 صحفياً من النساء، وفي 2025 تعرضت عدة صحفيات للإصابة أو الإقصاء من أعمالهن. ومع ذلك، فإن وجود نحو 800 صحيفة و1000 موقع إلكتروني مسجل في إقليم كردستان يعكس تقدماً كبيراً يستند إلى نضال يمتد لأكثر من قرن.
إن الذكرى 128 عاماً للصحافة الكردية ليست مجرد احتفاء بورقٍ مطبوع، بل احترام لإرادة صلبة حافظت على هوية شعب يمتلك حضارة ولغة وتاريخاً، وواصلت حماية مكانته في المنطقة.
مدرسة لجيلٍ جريء من الكاتبات
إن صحيفة "دنیای ژنان" التي صدرت عام 1913 في إسطنبول تُعد واحدة من أهم المحطات التاريخية في حركة النساء خلال العهد العثماني، إذ كان لها تأثير مباشر في توعية نساء المنطقة، ولا سيما النساء الكرديات. ففي تلك الفترة كانت إسطنبول مركز تجمع المثقفين الكرد، وقد عُرفت هذه الصحيفة بوصفها منبراً للدفاع عن حقوق المرأة، وكان هدفها الأساسي نشر الوعي وتمكين النساء من حق التعليم والعمل، إضافة إلى توجيه نقد حاد للعوائق الاجتماعية التي كانت تمنع تطور المرأة ومكانتها.
وكانت نقطة التحول في هذه الصحيفة أنها خصصت الكتابة للنساء فقط، بل وحتى العمل في المطبعة كان حصراً على النساء، في محاولة لإثبات قدرتهن على الاستقلالية. هذا النموذج ألهم النساء الكرديات اللواتي كن في إسطنبول آنذاك، مثل نساء أسرتي بدرخان وجميل باشا، واللواتي أصبحن لاحقاً رائدات في الإعلام الكردي، واستطعن نقل تلك التجربة إلى المجتمع الكردي، فساهمن في الكتابة ونشر الموضوعات القومية والاجتماعية في المجلات والصحف اللاحقة.
لهذا السبب لم تكن "دنیای ژنان" مجرد صحيفة بسيطة، بل كانت مدرسة حقيقية لتكوين جيلٍ جريء من الكاتبات اللواتي تعلمن كيف يطالبن بحقوقهن عبر الكتابة، وكيف يواجهن القيود الصارمة التي فرضها المجتمع عليهن.
إلى جانب صحيفة "دنیای ژنان"، هناك نماذج ومحطات تاريخية أخرى لعبت دوراً ريادياً في توعية النساء والمجتمع الكردي، ويمكن الإشارة إلى أبرزها كما يلي:
1. جمعية "السيدات الكرديات" والتي تُعد أول منظمة مخصصة للنساء الكرديات، تأسست عام 1919 في إسطنبول على يد نساء مثل عادلة خانم وزكية خانم، إضافة إلى عضوات من أسرتي بدرخان وبابان. كان هدفها الأساسي تعليم الفتيات الكرديات ونشر الكتابة حول الحقوق القومية. وقد شكلت هذه الجمعية منبراً لظهور صوت المرأة الكردية في المجالين السياسي والثقافي، بعد أن كانت محاصرة بالصمت.
2. مجلة "دنگی ژنان" (صوت النساء) التي صدرت في بغداد عام 1953، وكانت لسان حال اتحاد نساء كردستان. وقد مثّلت خطوة متقدمة في مسار تحرر المرأة، إذ كتبت فيها النساء بأسمائهن الحقيقية، وتناولن قضايا الأسرة والقانون والمساواة. وساهمت المجلة في إنهاء مرحلة الأسماء المستعارة، وفتحت الباب أمام جيل جديد من الصحفيات اللواتي كتبن بلا خوف من الرقابة السياسية أو الاجتماعية.
3. مجلة "ڕۆژی كورد" (يوم الكرد) والتي صدرت عام 1913 عن جمعية "هيفي". ورغم أنها كانت مجلة عامة، فإنها أولت اهتماماً كبيراً لتربية الأسرة ودور الأم في بناء جيل واعٍ ومتعلم. كما شجعت النساء على الاقتداء بنساء العالم المتقدم، وحماية لغتهن، وطرحت لأول مرة فكرة أن تحرير الأمة يمر عبر علم ومعرفة النساء.
4. صحيفة "ژیان"، كان الراحل بيرميرد يخصص زاوية ثابتة للنساء، ويشجعهن على الكتابة حتى لو بأسماء مستعارة لأنه كان يؤمن بأن مجتمعاً يبقى نصفه صامتاً لا يمكن أن يتقدم نحو الحرية والاستقلال. وقد ساهمت هذه السياسة في ظهور عدد من الكاتبات اللواتي أصبحن جزءاً من تاريخ الصحافة الكردية.