هجمات المدارس في تركيا تكشف بيئة عنف متجذّرة لا حلول أمنية لها
أكدت رحيمة تكين، عضوة جمعية الإعلام وحقوق الطفل في وان شمال كردستان، أن ما يتم تجاهله في النقاش حول الهجمات على المدارس هو أن العنف ليس حدثاً مفاجئاً، بل بيئة كاملة تحيط بالطفل يومياً، وأن الحلول الأمنية المؤقتة لن توقف المأساة.
مميهان هلبين زيدان
وان ـ أعادت الهجمات التي استهدفت مدرستين في تركيا فتح النقاش حول تصاعد العنف في المجتمع وتأثير العوامل الاجتماعية في مثل هذه الأحداث خاصةً أن منفذي الهجمات طلاب.
وقع في 14 من نيسان/أبريل الجاري هجوم مسلح استهدف مدرسة أحمد كوجونجو المهنية والتقنية في سيفريك، وأسفر عن إصابة 16 شخصاً، بينهم 10 طلاب و4 معلمين وشرطي واحد وعامل في المقصف. منفّذ الهجوم، وهو طالب سابق في المدرسة، أقدم على الانتحار بعد تنفيذ الاعتداء.
وبعد يوم فقط وقع هجوم مسلح آخر في مدرسة عايسر تشاليك الإعدادية في مرعش، أسفر عن مقتل 8 طلاب ومعلم واحد، وكذلك منفذ الهجوم طالب، دخل المدرسة ومعه 5 أسلحة وذخيرة، ثم انتحر لاحقاً.
أعادت هذه الهجمات فتح النقاش حول تصاعد العنف في المجتمع وتأثير العوامل الاجتماعية في مثل هذه الأحداث، ولم يعد النقاش يقتصر على مجالي التعليم والأمن فقط، بل شمل أيضاً الظروف الاجتماعية والنفسية التي يعيشها الأطفال، ويؤكد المدافعون عن حقوق الطفل ضرورة تحويل المدارس إلى بيئات أكثر أماناً وشمولاً، مع تطوير سياسات وقائية دائمة وطويلة الأمد.
كما أن اختزال الأطفال بوصفهم "جناة" أو إلقاء اللوم على الأهل فقط لا يقدم حلاً حقيقياً للعنف، بل يجب تفعيل الأنظمة المعطلة من قبل السلطات وصناع القرار ووضع سياسات وقائية فعالة.
"العنف يتزايد ووسائل التواصل الاجتماعي تجعله أكثر ظهوراً"
قيّمت رحيمة تكين، عضوة جمعية الإعلام وحقوق الطفل في مدينة وان شمال كردستان، دور الإعلام في حوادث العنف والمخاطر التي تنطوي عليها طريقة نشر الأخبار والانتهاكات التي قد تحدث خلالها، وأشارت إلى ظاهرة التنمر بين الأقران وحوادث العنف التي يشارك فيها الأطفال، موضحةً أن هذه الحالات أصبحت أكثر ظهوراً في السنوات الأخيرة، وإن استخدام وسائل التواصل الافتراضي جعل حوادث العنف أكثر وضوحاً وانتشاراً، مؤكدةً أن العنف لا يزداد بشكل مفاجئ، بل يستمر ويتطور بشكل منهجي.
وأضافت "عندما ننظر إلى العمل الميداني، نلاحظ أن العنف يزداد تدريجياً، وأنه مع تداول هذه الأحداث عبر وسائل التواصل يزداد أيضاً من حيث العدد والانتشار. العنف مرتبط بشكل كبير بما يتعرض له الأطفال يومياً على وسائل التواصل الافتراضي، وبما يستهلكونه من محتوى، لذلك فإن تكرار عرض مشاهد العنف ونشرها باستمرار على المنصات الرقمية، وكذلك إعادة نشر الأخبار والمحتوى الإعلامي بشكل متكرر، يجعل العنف أكثر تداولاً واستهلاكاً، ويؤثر بشكل أعمق على الأطفال".
ضرورة اعتماد الصحافة الموجهة للطفل
وشددت رحيمة تكين على أن طريقة "تعلم الأطفال" عامل مهم "كيف يتعلم الأطفال؟ وكيف تُسجل هذه المحتويات في أدمغتهم عند تعرضهم لها؟ هذه نقاط مهمة جداً. الإعلام هنا يقدم تأثيرات إيجابية وسلبية في الوقت نفسه فإلى جانب كيفية وقوع أحداث العنف، فإن طريقة تقديمها ونشرها لا تقل أهمية. الصحافة الموجهة للطفل لا تزال مجالاً حديثاً نسبياً في تركيا ولم تصل بعد إلى مستوى متقدم".
وأوضحت أن وسائل الإعلام، بدافع زيادة المشاهدات، تستخدم عناوين مثل "قاتل"، "طفل مضطرب"، "مجزرة" أو "هجوم مرعب"، مشيرةً إلى أن هذه اللغة تقدم العنف بشكل مكثف، دون مراعاة تأثيره على الأطفال، وأن الإعلام في كثير من الأحيان يعيد إنتاج العنف عبر تكرار المحتوى ونشره بطريقة تجعل الأطفال أكثر تعرضاً له، مما يضاعف أثره النفسي عليهم.
"يُراد خلق صورة مضطربة للأطفال"
ولفتت رحيمة تكين إلى أن الأطفال يُقدَّمون في بعض حوادث العنف على أنهم "شخصيات مضطربة"، قائلةً "في الهجمات المدرسية الأخيرة رأينا ذلك. بعد الحوادث، تم خلق تصورات مثل كان مدمناً على لعبة PUBG، كان يتصرف بغرابة، يتم تجاهل مدى تأثير هذه التصورات على الأطفال، وكيف يمكن أن تشكّل لهم نماذج جديدة".
وأضافت أن كثيراً من الأطفال يلعبون في الفضاءات الرقمية وينضمون إلى مجموعات مختلفة، مؤكدةً أن هذا جزء من واقع القرن الحادي والعشرين حيث أصبح الأطفال على تواصل واسع مع وسائل التواصل والمنصات الرقمية، وإن هناك عوامل متعددة يجب أخذها في الاعتبار، مشيرةً إلى أن السياسات الوقائية والإجراءات اللازمة موضوع منفصل، لكن في المقابل فإن لغة الإعلام، وكلمات الأغاني، ومحتوى المسلسلات والأفلام يجب أن تُنتج ضمن مسؤولية أخلاقية مشتركة.
اللغة الإعلامية المدمرة
وعن تأثير لغة الإعلام في حوادث العنف، أوضحت محدثتنا أن هذه اللغة أحياناً قد تُشجّع على العنف أو تقدم له طرقاً وأساليب "من أجل الحصول على مزيد من المشاهدات والمتابعة، غالباً ما يتم تجاهل المسؤوليات الأخلاقية. هنا يأتي دور ما يجب أن يفعله الإعلام. عند إعداد خبر، يجب إضافة آراء خبراء أكثر، وعلى سبيل المثال، إذا كان الخبر يتعلق بالتنمر بين الأقران، فلا ينبغي أن يكون السؤال فقط "ماذا حدث؟" بل يجب أن يدفع للتفكير في ماذا يمكن فعله؟".
ضرورة الالتزام بالمسؤوليات الأخلاقية والاجتماعية
وأشارت رحيمة تكين، التي قالت إنها تلقت أيضاً تدريباً في الإرشاد النفسي، إلى أنها تعمل على موضوع الغضب لدى الطفل "الأطفال لا ينتجون العنف بشكل مفاجئ. الفئات العمرية الصغيرة تتعلم عبر النمذجة. يتعلمون من الكبار، من البيئة، من المدرسة، ومن الإعلام ووسائل التواصل، ومن الرسوم المتحركة والأفلام والأغاني التي يسمعونها".
ولفتت إلى أن الأطفال لا يملكون القدرة الكاملة على التمييز بين المحتوى الضار والمفيد، خاصةً في مراحل الطفولة التي لا يستطيع فيها الطفل فهم المفاهيم المجردة بشكل كامل، ولذلك فهو "يمتص المعلومات مثل الإسفنج ويقلدها".
وأكدت أنه إذا شاهد الطفل سلوكيات مثل العنف أو الصراخ أو الشجار بشكل مستمر، فإنه سيقوم بتقليدها "اختلاف بيئة كل طفل من ناحية الأسرة والوضع النفسي والاجتماعي والاقتصادي يجعل من الضروري عدم إنتاج محتوى أحادي البعد، لأن حتى طفل واحد قد يتأثر، وبالتالي فإن هذا يمثل مسؤولية أخلاقية ومجتمعية لا يمكن تجاهلها".
"يجب أن تكون هناك فلسفة تعليم محلية"
وتطرقت رحيمة تكين أيضاً إلى تأثير النظام التعليمي والمناهج، مشيرةً إلى أن الاستثمار في "اقتصاد الحرب" بدلاً من التعليم أدى إلى دفع المجتمع نحو العنف "التعليق على ما يحدث بعبارات مثل: فجأة زادت حوادث العنف، ماذا يحدث لنا؟ لا يبدو لي واقعياً. هذه النتيجة هي حصيلة لخلل في الاقتصاد، ونظام الصحة، ونظام التعليم. إذا لم يتم التدخل بشكل صحيح، فإن هذا الوضع سيستمر".
وأشارت إلى وجود مشاكل كبيرة في المدارس، مثل نقص المعلمين المعينين، بالإضافة إلى نقص المرشدين النفسيين "في إحدى مدارس وان، صادفت وجود مرشدين نفسيين فقط اثنين. إذا كان عدد الطلاب 2000، فمن غير الممكن أن يتمكن شخصان من التعامل مع هذا العدد الكبير من الأطفال، وحتى لو حاولا ذلك، فإن تحديد أولويات الحالات المختلفة يشكل عبئاً كبيراً عليهما، لذلك يجب زيادة عدد المرشدين النفسيين بشكل عاجل".
وأضافت أن من أكبر مشكلات تركيا هو غياب فلسفة تعليمية محلية، موضحةً أن ما يحدث غالباً هو محاولة تطبيق نماذج تعليمية من دول أخرى دون تكييفها مع الواقع المحلي، مما يجعل المدارس أكثر تعقيداً.
"المشكلة ليست فقط في الأسرة بل في غياب الرقابة"
وانتقدت رحيمة تكين التعامل مع الأطفال المتورطين في العنف باعتبار أن المشكلة مجرد "مشكلة أسرية"، مؤكدةً أن الأمر لا يتعلق بأسرة واحدة أو طفل واحد، وقالت إن المسألة "طبقية ومتراكمة"، نتيجة سنوات من المحتوى غير الخاضع للرقابة، وضعف تشغيل المؤسسات المختلفة، إضافة إلى الظروف الاقتصادية، مضيفة أن الإعلام يحاول في كثير من الأحيان التنصل من مسؤوليته.
"مفهوم إعادة دمج الطفل في المجتمع ليس صحيحاً"
وتطرقت إلى مشروع قانون طُرح في بداية عام 2026 يتعلق بـ "الأطفال المنجرّين إلى الجريمة"، قائلةً "بالطبع يجب أن يدرك الأطفال أن لأفعالهم نتائج لكن هذا يتطلب وجود آلية واضحة، ومع ذلك، لا اعتبر مفهوم إعادة دمج الطفل في المجتمع صحيحاً. السؤال هو: أي مجتمع نعيده إليه؟".
وترى أن المشكلة الأساسية هي أن هذا المجتمع نفسه، بآلياته غير المفعّلة، هو ما ساهم في وصول الطفل إلى هذه الحالة، لذلك يجب أولاً تقييم الطفل ضمن ظروفه الفردية، وإخضاعه لعملية تأهيل، ثم إعادة تنظيم النظام بناءً على ذلك.
"الطفل يرى العنف في كل مكان"
ولفتت إلى حوادث الهجمات المدرسية في تركيا، معتبرةً أن هذه الظاهرة كانت تُربط سابقاً بالثقافة الأمريكية، لكن في عصر "القرية الكونية" أصبح أي محتوى أو فعل ينتشر بسرعة كبيرة عالمياً "كان العنف موجوداً، لكن وسائل الإعلام جعلته أكثر وضوحاً وانتشاراً".
وأضافت أن اقتراحات مثل زيادة إجراءات الأمن في المدارس أو وضع أجهزة تفتيش (X-ray) أو زيادة عدد الشرطة قد تكون حلولاً مؤقتة فقط، لكنها لا تعالج الجذور الحقيقية للمشكلة "إذا لم نصل إلى السبب الأساسي ونُصلح نظام التعليم وبقية الأنظمة، فلن تفيدنا كل هذه الإجراءات، الأطفال سيرون طريقهم بطريقة ما، لأنهم يرون العنف في كل مكان حولهم".
واختتمت رحيمة تكين، عضوة جمعية الإعلام وحقوق الطفل في مدينة وان تقييماتها لوضع الأطفال في تركيا بالإشارة إلى أن الحل يجب أن يكون طويل الأمد وأكثر واقعية، مؤكدةً أن جمعية "الإعلام وحقوق الطفل" في وان تعمل منذ عام على خلق وعي مجتمعي، ودعم خطاب إعلامي يركز على حقوق الطفل، والحد من الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال.