النساء والأطفال أهداف لشبكات الاتجار بالبشرفي إقليم كردستان والعراق

تتعرض نساء كثيرات حول العالم لخطر الوقوع في شبكات الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، ولا يختلف الوضع في العراق وإقليم كردستان، حيث تُستدرج بعض النساء ويُجبرن ليس فقط على التعرض للاعتداء، بل أيضاً على أن يصبحن جزءاً من منظومة الاستغلال نفسها.

لافا كوردە

مركز الأخبار ـ تُعد شبكات الجريمة المنظمة وعصابات الاتجار بالبشر واقعاً موثقاً في العراق وإقليم كردستان، حيث تستغل النساء والأطفال في الدعارة القسرية والاتجار بالأعضاء البشرية، وقد أسهمت عوامل عدة، منها التدهور الاقتصادي، والصراعات الإقليمية، والنزوح، والثغرات القانونية، في تمكين هذه المافيات المحلية والدولية من استهداف النساء المحليات، واللاجئات السوريات، والعمالة المهاجرة.

تشير تقارير منظمات حقوق الإنسان والوثائق الرسمية الخاصة بمتابعة هذه الجرائم إلى أن الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي في المنطقة يرتبطان بشكل وثيق بالجريمة المنظمة، عبر شبكات محلية ودولية تنشط في مختلف أنحاء العراق.

 

تصاعد الظاهرة

خلال الربع الأول من عام 2026، أعلنت السلطات العراقية الاتحادية تفكيك 36 شبكة إجرامية منظمة، من بينها 21 شبكة متورطة في جرائم الاستغلال والاعتداء الجنسي، ويأتي ذلك بعد أن كانت السلطات قد فككت 96 شبكة متخصصة في الاستغلال الجنسي خلال عام 2025.

كما كشف تقرير حقوقي تابع لحكومة إقليم كردستان أن عدد حالات الاتجار بالبشر المسجلة في الإقليم قد تضاعف تقريباً، بالتزامن مع ارتفاع ملحوظ في جرائم الاستغلال الجنسي، وتعتمد شبكات الاتجار على استدراج النساء بوسائل احتيالية، ثم مصادرة جوازات سفرهن وتهديدهن بالعنف لإجبارهن على ممارسة أعمال جنسية قسرية.

كما يشكل النازحون داخلياً واللاجئون المقيمون في المخيمات أهدافاً سهلة لهذه الشبكات بسبب هشاشة أوضاعهم الاقتصادية وضعف الحماية القانونية المتاحة لهم، إلى جانب محدودية الإجراءات الرامية إلى تفكيك هذه الشبكات أو حماية الناجين منها.

وفي إقليم كردستان، تستغل العصابات الإجرامية النساء والفتيات بشكل رئيسي عبر الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي القسري والاتجار بالمخدرات، وتستفيد هذه الجماعات من الأعراف الاجتماعية السائدة والتمييز القائم على النوع الاجتماعي، مستخدمة أساليب الإكراه والخداع والاستعباد القائم على الديون للسيطرة على ضحاياها.

 

تجريم الضحية

تؤدي الثغرات البنيوية في القوانين القديمة المتعلقة بالدعارة والعقوبات الجنائية في كثير من الأحيان إلى ملاحقة النساء العاملات في مجال الدعارة واعتقالهن، بينما ينجو الزبائن ومديرو الشبكات الإجرامية من المساءلة بسبب غياب نصوص قانونية واضحة تستهدفهم بشكل مباشر.

كما أن الخلط بين مفهومي الدعارة الطوعية والاستغلال الجنسي القسري يؤدي أحياناً إلى معاملة الناجيات من الاتجار بالبشر باعتبارهن متهمات بدلاً من الاعتراف بهن كضحايا يستحقن الحماية والدعم.

 

الوصمة الاجتماعية وتطبيع دور الرجال

يمنع الخوف مما يُعرف بـ "جرائم الشرف" أو من النبذ الاجتماعي كثيراً من الضحايا من الإبلاغ عن هذه الشبكات للشرطة، وتضطر نساء كثيرات إلى التزام الصمت خشية التعرض للوصم أو الإقصاء داخل المجتمع.

ولا يزال المجتمع يتعامل مع هذه القضايا بعقلية ذكورية تحمل النساء الجزء الأكبر من المسؤولية والعار، ما يدفع الكثير منهن إلى إخفاء حقيقة ما تعرضن له، وغالباً ما تُوصم النساء بأوصاف مهينة، في حين يبقى الرجال الذين يدفعون مقابل الخدمات الجنسية بعيدين عن دائرة اللوم والمحاسبة.

ومن الناحية التاريخية، ارتبطت مصطلحات مثل "العاهرة" أو "المومس" بالنساء دون الرجال، نتيجة لاختلال موازين القوة الاجتماعية، حيث جرى النظر إلى الرجال باعتبارهم مستهلكين للخدمة الجنسية، بينما وُصمت النساء بوصفهن مقدمات لها، وقد أسهم ذلك في تكريس ثقافة اجتماعية تلقي باللوم على النساء أكثر من الرجال الذين يشترون هذه الخدمات.

وغالباً ما تعاقب الأعراف الثقافية النساء اللواتي يُنظر إليهن على أنهن تجاوزن التوقعات التقليدية المتعلقة بالعفة والطاعة، بغض النظر عن الظروف التي دفعتهن إلى ذلك.

 

الشوارع تكشف الظاهرة والقانون يلتزم الصمت

تُعد الدعارة غير قانونية في العراق وإقليم كردستان، ولا توجد مناطق مرخصة أو معترف بها رسمياً لممارستها، ومع ذلك، فإن هذه الأنشطة تستمر بصورة سرية داخل بعض المنازل الخاصة والفنادق، أو تحت غطاء أنشطة تجارية مثل صالونات التدليك والتجميل.

وتشير منظمات المجتمع المدني إلى أن شبكات الاستغلال الجنسي والاتجار بالبشر تنشط غالباً خلف الأبواب المغلقة، داخل الحانات والنوادي الليلية والمقاهي والمنازل الخاصة، أكثر مما تنشط بشكل علني في الشوارع.

ومع ذلك، فإن ظاهرة الدعارة في الشوارع لا تزال موجودة في عدد من المراكز الحضرية والتجارية في العراق وإقليم كردستان، حيث تقف بعض النساء في أماكن معروفة بانتظار الزبائن لإبرام صفقات جنسية مقابل المال.

ولا تقتصر هذه المشاهد على ما يُرى في الواقع فحسب، بل تُوثق أحياناً بمقاطع فيديو تُنشر عبر وسائل التواصل الافتراضية، حيث تظهر المواقع والشبكات المعنية بشكل واضح، ورغم ذلك، يثير استمرار هذه الأنشطة تساؤلات حول مدى فعالية الإجراءات الأمنية والقانونية في مواجهة شبكات الاستغلال والاتجار بالبشر، وحول الأسباب التي تجعل هذه الظاهرة مستمرة رغم وضوح مؤشراتها ووجود شكاوى وتقارير متكررة بشأنها.