دراسة ميدانية ترصد تصاعد العنف وتأثيرها على النساء في قامشلو

كشفت دراسة ميدانية جديدة في مدينة قامشلو تصاعد العنف ضد النساء، ووثّقت المكاسب القانونية منذ عام 2014، في ظل مخاوف متزايدة من تأثير الاندماج المركزي على منظومة الحماية، وذلك استناداً إلى بيانات بيت المرأة ومقابلات شملت أكثر من ألف امرأة.

مركز الأخبار ـ تؤكد معطيات ميدانية في مدينة قامشلو أن المؤسسات النسائية باتت تشكّل خط الدفاع الأبرز في مواجهة العنف والتهديدات الاجتماعية، وسط مطالب متصاعدة بضرورة صون هذا الدور وعدم إخضاعه لأي تسويات قد تضعف منظومة القائمة.

خلصت الدراسة الميدانية التي أجراها مركز روج آفا للأبحاث المعني بحماية حقوق المرأة والطفل في مدينة قامشلو إلى إبراز حجم العنف الواقع على النساء، وتوثيق المكاسب القانونية التي رافقت ثورة المرأة عام 2014، إضافة إلى رصد الهواجس المرتبطة بمسار الاندماج المركزي.

واعتمدت الدراسة على مقابلات استقصائية مباشرة مع 600 امرأة من أحياء جودي في قناة السويس، هلالية، قدوربك، عنترية، كورنيش، أربوية، كما جرى إعدادها استناداً إلى تواصل ميداني مع أكثر من ألف امرأة خلال فترة العمل بدعم مشترك من فرعي مؤتمر ستار وبيت المرأة في تلك المناطق.

 

قبل عام 2014

وأشارت الدراسة إلى أنه خلال فترة حكم حزب البعث قبل 2014، كان الوضع القانوني للمرأة داخل الأسرة والمجتمع مُهملاً تماماً، ويعود غياب البيانات الرسمية أو المؤسسية الموثوقة حول العنف ضد المرأة، وزواج القاصرات، وتعدد الزوجات في الفترة التي سبقت 2014، إلى إخفاء العنف باعتباره "شأناً داخلياً"، والسيطرة المطلقة التي تمارسها العادات والتقاليد والضغوط القبلية على المرأة.

 وأكدت أنه هذه الفترة، حين افتقرت المرأة إلى آليات حماية مستقلة، منح قانون الأحوال الشخصية المركزي السوري الرجال الحق في تعدد الزوجات، بينما حكم على المرأة بوضع غير متكافئ تماماً في مجالات مثل الزواج والطلاق والحضانة والميراث.

وأرست قوانين المرأة، التي أُقرت عام ٢٠١٤ في شمال وشرق سوريا، وقانون الأسرة اللاحق، إطاراً قانونياً قائماً على المساواة لصالح المرأة من خلال حظر زواج الأطفال وتعدد الزوجات، وإلى جانب هذا الإطار القانوني، أُنشئت شبكة حماية مؤسسية تتدخل مباشرةً في العنف عبر إنشاء هيئات مثل بيت المرأة ومؤتمر ستار، ومنظمة سارا، اسايش المرأة، وخلال هذه العملية، ساهم تثقيف الرجال والتطبيق الحازم للعقوبات القانونية ضد مرتكبي العنف في خلق رادع ملموس.

 

الأشهر الستة الأولى من العام الجاري

وتوفر السجلات الرسمية لبيت المرأة للأشهر الستة الأولى من العام الجاري أرقاماً ملموسة توضح الوظيفة الحالية والتغيرات الدورية لهذا الشعار المؤسسي، ففي الأشهر الستة الأولى، تلقى بيت المرأة ما مجموعه 240 بلاغ شكوى، تم حل 109 من هذه الطلبات من خلال المصالحة وآليات حل النزاعات البديلة، بينما تمت إحالة 36 ملفاً إلى السلطات القضائية، وكانت 153 من الطلبات مرتبطة بشكل مباشر بالصراعات بين الرجال والنساء وحالات العنف الذكوري، وقبل عام 2014، اقتصرت النزاعات المتعلقة بتعدد الزوجات، والتي كانت موضوع عشرات الطلبات خلال نفس الفترة، على 5 طلبات فقط.

وأفادت جميع النساء اللاتي أُجريت معهن المقابلات بأن ارتفاع أسعار الوقود والديزل، وتضخم أسعار المواد الغذائية، والبطالة، وفقدان الدخل، كلها عوامل تُفاقم التوترات الأسرية، ورغم أن الأزمة الاقتصادية قد لا تكون المصدر الوحيد للعنف، إلا أنها تمنع النساء بشكل مباشر من مغادرة بيئات العنف، وبناء حياة مستقلة، واللجوء إلى القضاء، وذلك من خلال زيادة اعتمادهن المالي على الرجال، هذا الوضع يُحوّل الأزمة الاقتصادية من مجرد ضائقة مالية إلى مسألة تتعلق بالأمن الشخصي والحرية، كما ذكرن سنوات من الحرب المستمرة، والهجرة، والحرارة الشديدة، وعدم كفاية الرعاية الصحية، كعوامل تُؤجّج التوتر المجتمعي باستمرار.

وكان أبرز ما توصل إليه الدراسة هو كيفية تأثير عملية الاندماج على ميزان القوى في المجتمع، فقد أثار الغموض المحيط بدمج المؤسسات المحلية في النظام المركزي مخاوف لدى النساء من فقدان مكاسبهن، بينما عزز لدى الرجال شعوراً بالارتياح والإفلات من العقاب، استناداً إلى الاعتقاد بأن "آليات التدخل القديمة لن تكون فعالة بعد الآن".

ورغم أن الإعلان الدستوري السوري، الذي دخل حيز التنفيذ في آذار/مارس 2025، يتضمن بنوداً تتعلق بالمساواة وحقوق العمل، إلا أن اعتماده الفقه الإسلامي كمصدر رئيسي للتشريع أثار مخاوف من العودة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية قبل عام 2014 في مسائل الأحوال الشخصية. واعتُبر تخصيص 21 مقعداً فقط (10%) للنساء في البرلمان الانتقالي المكون من 210 مقاعد، والذي شُكّل عام 2026، مؤشراً واضحاً على تقييد دور المرأة في العمليات الدستورية. علاوة على ذلك، ساهمت الشائعات المتداولة حول القيود المفروضة على حرية التنقل في المجال العام واستبعاد المرأة من سوق العمل في تأجيج حالة انعدام الأمن، فضلاً عن حالة عدم اليقين القانوني.

 

الاعتراض الجماعي للنساء

وأبرزت الدراسة أن المخاوف التي كُشِف عنها في قامشلو تنتشر في جميع أنحاء سوريا، وبالإشارة إلى المظاهرات التي نُظِّمت في دمشق في كانون الأول/ديسمبر 2024، والتي شارك فيها مئات الأشخاص الذين طالبوا بالحكم العلماني والمساواة في الحقوق المدنية، مشيراً إلى أن النساء قد طورن اعتراضاً مشتركاً على نظام قانوني قائم على مرجعيات دينية.

وكشف القسم الختامي من الدراسة الميداني أن أكبر ضمانة ضد العنف ضد المرأة ليست القانون فحسب، بل أيضاً التنظيم الذاتي الذي تم بناؤه منذ عام 2014، وبيت المرأة، وآليات التدخل العملية، مؤكداً أن المطلب الأساسي للمرأة هو الحفاظ على هذا الدرع المؤسسي الواقي دون أي مساومة.