بين الفكر والميدان… كيف صاغت يسرى إلياس تجربتها في ثورة المرأة؟

أكدت يسرى إلياس أن المرحلة الحساسة التي يمر بها الشرق الأوسط تجعل من الضروري اتخاذ خطوات جدية وقانونية لضمان حق الأمل للقائد عبد الله أوجلان.

رونيدا حاجي

الحسكة ـ في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، كانت المنطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها قسوة. القمع الأمني، الاعتقالات، ومحاولات خنق أي صوت مختلف، لكن وسط هذا الظلام كانت تتشكّل شرارة مختلفة تماماً، ألا وهو حراك المرأة الذي بدأ يتخذ ملامحه الأولى داخل البيوت، في الخفاء، قبل أن يتحوّل لاحقاً إلى قوة اجتماعية وسياسية لا يمكن تجاهلها.

كانت النساء يقاومن بصمت. تحت ضغط أجهزة نظام البعث وملاحقاته، عملن في مجموعات سرية داخل المنازل، منظّماتٍ في الظل، ينسجن خيوط الوعي والمقاومة بعيداً عن أعين السلطة. مع بداية التسعينيات وحتى عام 1995، بدأت تلك المجموعات تتجه بشكل جماعي إلى لبنان، حيث كنّ يلتقين بالقائد عبد الله أوجلان، في خطوة شكّلت منعطفاً حاسماً في مسار نضال المرأة الكردية.

يسرَى إلياس، البالغة اليوم خمسين عاماً والمقيمة في مدينة الحسكة، وُلدت في تل تمر ونشأت في قامشلو بروج آفا. تعرّفت على حركة الحرية (الآبوجية) عام 1989، ومنذ ذلك الحين انخرطت في العمل السري لتقديم الدعم والمساندة. وبعد سنوات اتخذت قرارها المصيري بالتوجّه إلى لبنان، حيث التقت بالقائد عبدالله أوجلان، لتبدأ مرحلة جديدة من التزامها السياسي والفكري.

تقول يسرى إلياس إنها أدركت آنذاك أن عمل الحزب كان يُدار مع الرفيقات بسرية "نشأتُ في عائلة محافظة. كان والدي شديد التمسك بالدين، ولذلك كنت أعمل بشكل سري مع رفيقاتي من أجل دعم الحزب. كنا نقرأ المجلات ونناقش ما فيها. كنا نزور العائلات، ونحمل البذور والقطن في الحقول.

حين بدأت يسرى إلياس تتعرّف على حزب العمال الكردستاني، كان الحديث عن الكرد وكردستان يملأ محيطها. دفعها ذلك إلى سؤال والدها "ما هي كردستان؟" فجاء جوابه صادماً بعمقه "قضية كردستان ثقيلة، ولأجل بنائها لا بد أن تُقدَّم تضحيات حتى يصل الدم إلى الركبة". 

كان هذا الجواب أول احتكاك مباشر لها مع ثقل القضية، وبداية وعيٍ جديد يتشكّل داخلها. وتقول إنها أدركت سريعاً أن عمل الحزب كان يُدار بسرية تامة بين الرفيقات. نشأت في عائلة محافظة، ووالدها كان شديد التمسك بالدين، ما جعل نشاطها السياسي يتم في الخفاء. كانت تجتمع مع رفيقاتها لقراءة المجلات ومناقشة ما تحمله من أفكار، وتزور العائلات، وتعمل في الحقول حاملةً البذور والقطن في الحقول.

تصف تلك المرحلة بأنها مزيج من الخطر والجمال، خطرٌ يحيط بهن من كل جانب، وجمالٌ ينبع من الروح المشتركة والهدف الواحد الذي جمعهن. بهذه الروح، كما تقول، انتشرت فروع الحزب في كل مكان "كان عملنا مليئاً بالمخاطر والصعوبات، لكنه كان جميلاً جداً. كانت لدينا روح وهدف، وهذا ما كان يربطنا ببعض. بهذه الروح انتشرت فروع حزبنا في كل مكان".

 

"استمددنا القوة من كلمات القائد أوجلان"

تروي يسرى إلياس أن اللقاء بالقائد عبد الله أوجلان كان نقطة تحوّل حقيقية في حياتها. ففي عام 1995، توجّهت مع مجموعة من الرفيقات إلى لبنان. كانت فرحتها برؤيته كبيرة، لكن كثرة الحضور جعلت الاقتراب منه أمراً صعباً. 

مع ذلك، بقيت كلماته محفورة في ذاكرتها "لدينا قضية، ويجب أن نصل إلى الهدف منها. يجب أن نعمل ونناضل من أجلها. إذا لم نعمل لها، فلن يفسح لنا أحد الطريق. أعداء حركتنا كُثر. شهد التاريخ انتفاضات عديدة لكنها انهارت. نحن أسّسنا ثورتنا في الجبال".

تقول إن هذه الكلمات منحتها قوة لا توصف، قوةً ظلّت ترافقها طوال مسيرتها، وتعيد إليها الإصرار كلما اشتدّت الظروف.

وتؤمن يسرى إلياس بأن مؤلفات القائد عبد الله أوجلان ليست مجرد كتب، بل مصدر للمعرفة ومرجع لفهم التاريخ والحقيقة "قرأت الكثير من كتب وكتابات القائد أوجلان، ومن خلالها تعمّق فهمي لحرية المرأة وللحياة الكومينالية. يجب أن يكون لنا هدف دائم، ومن خلال قراءة مؤلفات أوجلان نستطيع الوصول إليه، فهو مصدر للمعرفة والتاريخ والحقيقة".

 

"ثورة المرأة هي ثمرة ريادة وتضحيات سنوات 1989"

تشدد يسرى إلياس على أن النساء الوطنيات لعبن دوراً محورياً في تطوير فكر وفلسفة القائد أوجلان. وتروي أنه في عام 2009 اعتقلها نظام البعث بتهمة "العمل على تقسيم سوريا والمشاركة في نشاطات سياسية". 

تستعيد تلك المرحلة قائلة "مكثت ثلاثة أشهر في سجن غويران في الحسكة، وهو اليوم تحت إدارة قوات سوريا الديمقراطية. بعد الإفراج عني واصلت عملي دون تردد. النساء، بفضل ريادتهن، كسرن الحدود التي فرضها المجتمع عليهن. ثورتنا في روج آفا هي ثمرة جهد سنوات طويلة. وبفضل هذه الثورة، توسّعت تنظيمات النساء، وأعاد المجتمع ترتيب نفسه حول أيديولوجية القائد أوجلان".

وتؤكد أهمية التمسك بـ "مانيفستو السلام والمجتمع الديمقراطي"، معتبرةً أنه الأساس الفكري لحماية مكتسبات الثورة "عملت في هذه الثورة في مجالات عديدة: السياسية، الاجتماعية، التنظيمية، والثقافية. رأينا الكثير من الجهد والصعوبات حتى وصلنا إلى هذه المرحلة. ولحماية ما حققناه، علينا أن نتمسك بمانيفستو السلام والمجتمع الديمقراطي".

 

"سياسات الإبادة والتجويع تتجدد بأدوات جديدة"

بعد حديثها عن دور المعرفة وفكر القائد أوجلان في تشكيل وعي المرأة وتنظيمها، تنتقل يسرى إلياس إلى قراءة الواقع الراهن، مؤكدة أن السياسات التي استهدفت الشعوب عبر التاريخ ما تزال تُمارَس اليوم بأشكال مختلفة.

تقول إن سياسات الإبادة والتجويع التي عرفتها المنطقة منذ عقود لم تتوقف، بل تتجدد بأدوات جديدة. وتستعيد أحداث عام 2004، حين حاول نظام البعث كما تصفه خلق شرخ بين الكرد والعرب، وترى أن آثار تلك الفتنة ما تزال حاضرة حتى الآن.

وتتابع "تستمر سياسة الإبادة والتجويع ضد الشعوب. نحن نملك تاريخاً مشتركاً ونعيش معاً، وذاكرتنا أيضاً مشتركة. هذه السياسة ليست فقط ضد الشعب الكردي، بل ضد جميع الشعوب. اليوم تُمارس الحكومة المؤقتة سياسة التجويع ضد سكان الرقة ودير الزور، وهذه من أخطر السياسات".

وترى يسرى إلياس أن الشرق الأوسط بأكمله يعيش تحت وطأة الحروب والمشاريع المدمرة، وأن القوى الكبرى والسلطوية تدرك أهمية المنطقة باعتبارها مركز الحضارات، ولذلك كما تقول تسعى إلى خلق الدمار والمجازر لخدمة مصالحها. مشيرة إلى أن فلسفة القائد أوجلان تشكل حماية فكرية للشعوب في مواجهة سياسات الإبادة والتجويع والاقتلاع.

 

"يجب اتخاذ خطوات جدية وقانونية لضمان حق الأمل"

وفي ختام حديثها، دعت يسرى إلياس إلى اتخاذ خطوات جدية لضمان "حق الأمل" للقائد أوجلان "الشرق الأوسط مثل حديقة مليئة بالألوان، ولا يمكن قبول إزالة لون واحد منها، لأن ذلك سيُفقد الحديقة جمالها. لذلك، لا يمكن قبول نظام أحادي اللون في الشرق الأوسط، فهو خطر"، مؤكدة أن المرحلة التي يمر بها الشرق الأوسط اليوم تتطلب من وجهة نظرها حضوراً فعّالاً لفكر القائد أوجلان، مشددة على ضرورة اتخاذ خطوات قانونية وجدية لضمان هذا الحق.