إيران تحاصر مساحات الحرية... حين يتحول الخوف إلى سياسة دولة

مقال بقلم الصحفية التونسية حذامي محجوب

لم تعد المواجهة في إيران تُقاس بما يحدث في الشوارع أو خلف قضبان السجون وحدها. فقد امتد الصراع إلى تفاصيل الحياة اليومية، إلى عدسة صحفي، ومقهى يجتمع فيه الشباب، ونادٍ رياضي للنساء، ومنشور على مواقع التواصل الافتراضية.

وكلما ضاق هامش المناورة أمام السلطة، بدا أنها تشد قبضتها أكثر على المجتمع، محاولة إغلاق كل نافذة يمكن أن يتسلل منها صوت مختلف أو تتشكل عبرها مساحة مستقلة للمجتمع.

في هذا السياق، تكشف قضية المصورة الصحفية الإيرانية يلدا معيري جانباً صارخاً من المشهد. فقد أعلنت في 9 آب/أغسطس صدور حكم ابتدائي بسجنها 15 عاماً، مع مصادرة معداتها وهاتفها، ومنعها من ممارسة أي نشاط ثقافي أو فني، أو تولي وظيفة عامة، فضلاً عن حرمانها من النشر عبر شبكات التواصل الافتراضية.

وبحسب الحكم، ترتبط التهم الموجهة إليها بتعاونها مع وسائل إعلام أجنبية بهدف "تعزيز النظام الصهيوني والولايات المتحدة" في سياق الحرب. لكن القضية، في دلالتها الأوسع، لا تتعلق بيلدا معيري وحدها، بل تبدو رسالة موجهة إلى الصحفيين والفنانين وسائر الأصوات المستقلة، فالكاميرا يمكن أن تتحول إلى دليل اتهام، والمقابلة إلى جريمة، والنشر إلى مخاطرة، فيما يصبح الصمت الخيار الأكثر أماناً.

ويلدا معيري ليست غريبة عن هذا المسار. فقد اعتُقلت خلال انتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية" عام 2022، وقضت أشهراً في السجن. وتقول إن محاكمتها الأخيرة جرت في غيابها، وإنها لم تتمكن من الاطلاع على الأدلة المقدمة ضدها. ورغم عزمها على الاستئناف، فإنها لا تخفي تشاؤمها بشأن فرص إسقاط الحكم.

لكن ما تواجهه لا يبدو حالة معزولة، بل جزءاً من مناخ أوسع تتداخل فيه الأدوات الأمنية والقضائية، بالتزامن مع تصاعد أحكام الإعدام، ولا سيما بحق المحتجين والسجناء السياسيين.

وتشير منظمة العفو الدولية إلى تنفيذ ما لا يقل عن 26 عملية إعدام منذ بداية عام 2026 بحق أشخاص على صلة باحتجاجات كانون الثاني/يناير، فضلاً عن 26 آخرين أُعدموا بتهم ذات طابع سياسي. وفي المقابل، تقول منظمة "حقوق الإنسان في إيران" إن عدد الإعدامات المنفذة منذ بداية العام وحتى نهاية تموز/يوليو بلغ 444 على الأقل، مع معلومات عن أكثر من 400 عملية أخرى لم تتمكن المنظمة من التحقق منها.

غير أن أدوات السيطرة لا تتوقف عند السجن والإعدام. فحتى المجال العام يخضع لإعادة تشكيل تدريجية، وكأن السلطة لا تريد فقط ضبط ما يقوله الإيرانيون، بل أيضاً تحديد الأماكن التي يمكنهم أن يلتقوا فيها ويتحدثوا ويصنعوا علاقاتهم الاجتماعية.

في طهران، أُغلقت عشرات المقاهي والمطاعم خلال الأسابيع الأخيرة، خصوصاً في المناطق التي يرتادها الشباب، بذريعة مخالفة قواعد الحجاب. وقد تكون شرطة الأخلاق أقل حضوراً في الشوارع مقارنة بسنوات سابقة، لكن ذلك لا يعني أن الرقابة تراجعت؛ بل يبدو أنها أصبحت أكثر انتقائية وأقل ظهوراً، وأكثر التصاقاً بالتفاصيل الصغيرة للحياة اليومية.

حتى الأرصفة أمام المقاهي لم تسلم من هذه المواجهة. فقد دُمرت ليلاً أجزاء من الأرصفة التي اعتاد الشباب الجلوس عليها أمام بعض المقاهي بعد إعادة فتحها. قد يبدو المشهد هامشياً، لكنه يحمل دلالة أكبر: الصراع لم يعد فقط حول ما يفعله الناس، بل حول حقهم في الوجود داخل الفضاء العام واستخدامه بحرية.

وفي يزد، امتدت الإجراءات إلى أماكن مخصصة للنساء، حيث أُغلقت أربعة أندية رياضية بأمر من الشرطة، من دون إعلان أسباب واضحة. وهنا يتجاوز السؤال حدود النادي أو المقهى: هل تسعى السلطة إلى تضييق كل مساحة يمكن أن تتيح للإيرانيين اللقاء والتواصل وبناء روابط اجتماعية مستقلة؟

كل ذلك يجري في لحظة شديدة الحساسية. فالمفاوضات الرامية إلى إنهاء الأعمال العدائية مع الولايات المتحدة متعثرة، والاقتصاد الإيراني يواجه ضغوطاً متزايدة، فيما تخشى السلطة أن يؤدي تدهور الأوضاع إلى موجة احتجاج جديدة.

وهنا تكمن المفارقة الأكثر وضوحاً؛ كلما حاولت السلطة إغلاق الطريق أمام الاحتجاج المقبل، قد تكون، عبر توسيع دائرة القمع، بصدد بناء أسباب الاحتجاج بنفسها.

فالمجتمع الذي يُمنع فيه الصحفي من التصوير، والفنان من التعبير، والمرأة من اختيار لباسها، والشباب من الاجتماع في مقهى، والناس من الاحتجاج على الإعدام، قد يبدو أكثر هدوءاً، لكنه ليس بالضرورة أكثر استقراراً. قد يكون الصمت فيه مجرد طبقة رقيقة تخفي تحتها غضباً يتراكم يوماً بعد آخر.

إيران اليوم لا تواجه أزمة أمنية فحسب، بل تواجه اختباراً أعمق لعلاقتها بمجتمعها. فالمسألة لم تعد مرتبطة بعدد المعتقلين أو المعدومين فقط، وإنما بحجم المساحة التي تتركها الدولة لمواطنيها كي يتنفسوا، ويتحدثوا، ويلتقوا، ويختلفوا.

قد تستطيع السلطة إغلاق مقهى، ومصادرة كاميرا، ومنع صحفي من النشر، وإصدار حكم بالسجن. لكنها لا تستطيع بسهولة مصادرة الذاكرة، ولا إلغاء الرغبة في الحرية، ولا محو الأسباب التي تدفع الناس إلى الاحتجاج.

ولهذا يبقى السؤال الأثقل فوق المشهد الإيراني؛ إلى أي حد تستطيع الدولة إطالة عمر الصمت، قبل أن يتحول الصمت نفسه إلى قوة يصعب احتواؤها؟