إيران بين ضغوط الخارج وتصاعد الإعدامات والقمع في الداخل
تستمر إيران في وقتٍ أصبحت فيه محوراً للمفاوضات السياسية، في تنفيذ الإعدامات، فيما تُقصى أصوات عائلات السجناء ويترك المعتقلون في زنازين الحبس الانفرادي، ويواصل نشطاء المجتمع المدني دفع ثمن القمع، وسط انتهاكات متصاعدة لحقوق الإنسان.
مركز الأخبار ـ تسعى السلطات الإيرانية إلى ترسيخ سياسة قمعية متصاعدة، تتجلى في موجات الإعدام المتكررة التي تُنفَّذ في مختلف السجون بعيداً عن أعين الرأي العام. وفي ظل غياب الشفافية وتجاهل المعايير القانونية.
بينما ينشغل العالم بتطورات متسارعة في الشرق الأوسط، وتوترات عسكرية، وأزمات أمنية، ومفاوضات بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة، تصاعدت وتيرة الإعدامات والقمع والاعتقالات وانتهاكات حقوق الإنسان واسعة النطاق داخل إيران، خلال الأيام الأربعة الماضية فقط، نفّذت السلطات الإيرانية أحكام الإعدام بحق عشرات السجناء في سجون مختلفة؛ بعضهم أُعدم من دون إبلاغ عائلاتهم، وآخرون حُرموا من الزيارة الأخيرة، فيما نُفّذ الحكم بحق عدد منهم بعد سنوات طويلة من الاعتقال.
وفي الوقت نفسه، تحدّثت تقارير عديدة عن نقل سجناء إلى الحبس الانفرادي، وآخرين مهددين بالإعدام من دون علم ذويهم، إضافة إلى تصاعد الضغوط على السجينات والطلاب والصحفيين وعائلات المطالبين بالعدالة، فضلاً عن مقتل مواطنين بلوش في عمليات نفذها الحرس الثوري.
قزل حصار رمز آلة الإعدام
وفي أحدث موجة إعدامات، أُعدم ثمانية سجناء في سجن قزل حصار بمدينة كرج بينهم ستة لم يُكشف عن هوياتهم بعد، وقد تحوّل هذا السجن خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز مواقع الإعدام في إيران، وتصفه منظمات حقوق الإنسان بأنه رمز للسياسة العقابية للسلطات الإيرانية، ولا يعكس ارتفاع الإعدامات مجرد أرقام، بل يشكّل جزءاً من نهج منظّم لفرض الضغط وخلق مناخ من الخوف داخل المجتمع.
الحرمان من آخر حقوق الإنسان
تثير موجة الإعدامات الأخيرة في إيران قلقاً متزايداً، خصوصاً مع استمرار تنفيذ الأحكام من دون إبلاغ العائلات، ففي سجن رودان، أُعدم سجين بلوشي دون علم أسرته أو السماح له بزيارة أخيرة، بعد اعتقاله والحكم عليه بالإعدام من قبل المحكمة الثورية، ووقع حادث مشابه في سجن بيرجند، حيث أُعدم سجين بلوشي آخر بعد نقله إلى الحبس الانفرادي من دون إخطار عائلته.
إن حرمان السجناء من الزيارة الأخيرة لا يُعدّ مجرد مخالفة إجرائية، بل انتهاك صارخ لحقوق الإنسان، إذ تُحرم العائلات بعد سنوات من المعاناة من وداع أحبائها، ورغم أن المادة السادسة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسة تفرض أعلى معايير المحاكمة العادلة، تشير تقارير عديدة إلى أن هذه المعايير لا تُحترم في كثير من قضايا الإعدام في إيران، إضافة إلى حرمان العائلات من أبسط حقوقها.
عمليات إعدام في جميع أنحاء إيران
تكشف التقارير الأخيرة أن الإعدامات طالت معظم أنحاء إيران، مع تسجيل حالات في سجون قزل حصار، رودان، سمنان، عادل آباد في شيراز، دستجرد في أصفهان، بيرجند، بجنورد، ألفاند في همدان، شيروان، سنه، تبريز، كاشان، يزد، الأهواز وزاهدان.
ومن بين الضحايا سجين من قبيلة اللور أُعدم في سجن الوند بعد 26 عاماً من الاعتقال، إضافة إلى إعدام مواطنين كرديين من شيروان وسنه ومواطنين بلوش من حاجي آباد، كما وثّقت تقارير أخرى إعدام أحد عشر سجيناً في عدة مدن من البلاد، ويُظهر هذا الانتشار الواسع أن الإعدامات باتت سياسة وطنية ممنهجة، لا تقتصر على منطقة أو سجن بعينه.
سجناء على طريق مجهول
مع ازدياد عمليات الإعدام، وردت تقارير عديدة عن نقل السجناء إلى سجون أخرى أو إلى الحبس الانفرادي. وفي كثير من الحالات، تبقى العائلات تجهل مكان وجود ذويها لأيام أو حتى أسابيع، ويزداد هذا الوضع خطورةً بالنسبة للسجناء السياسيين والأيديولوجيين، وكذلك السجناء المعرضين لخطر الإعدام.
وحذرت عائلات السجناء من أن عمليات النقل المفاجئة للسجناء في إيران غالباً ما تكون مقدمة للإعدام، وقد دفع هذا العديد من العائلات إلى اعتبار أي مكالمة هاتفية مجهولة المصدر أو أي خبر عن نقل سجين بمثابة احتمال لإعدامه، فهم يرون في هذا الوضع شكلاً من أشكال التعذيب النفسي الذي تتعرض له العائلات التي تعيش في جهل تام.
من الاحتجاجات في الشوارع إلى أحكام الإعدام
حظيت قضية أحد الطلاب المعتقلين خلال الاحتجاجات الأخيرة باهتمام واسع، بعد أن دخل مرحلة حرجة إثر صدور حكم بالإعدام بحقه من قبل الفرع ١٥ للمحكمة الثورية في طهران، وترى عائلته ومحاموه أن الحكم لا يتناسب مع التهم الموجهة إليه، وأن مسار القضية شابه الكثير من الغموض، وتعد هذه القضية واحدة من عشرات الملفات التي فُتحت عقب موجة الاحتجاجات التي عمّت البلاد، والتي أصبحت من أبرز التحديات السياسية التي تواجهها الجمهورية الإسلامية.
النساء الهدف المستمر للقمع الهيكلي
إلى جانب موجة الإعدامات، يستمر الضغط على النساء، تواجه السجينات السياسيات في مختلف السجون في جميع أنحاء البلاد قيوداً واسعة النطاق للحصول على العلاج، والتواصل مع العائلة، والإجازات، والخدمات الأساسية.
اعتُقلت العديد منهن لمجرد قيامهن بأنشطتهن المدنية، ودفاعهن عن حقوق المرأة، ومعارضتهن للحجاب الإلزامي، أو نشاطهن الإعلامي، وفي الوقت نفسه تواجه الطالبات في مختلف جامعات البلاد الإيقاف عن الدراسة، والطرد منها، والاستدعاء إلى لجان التأديب، والضغوط الأمنية، وبعد الانتفاضة الشعبية عام 2022سعت السلطات إلى الحد من دور المرأة في المجالين العام والمدني من خلال تصعيد الضغوط.
صحفيون يخضعون للتحقيق
ولا يزال الصحفيون الهدف الرئيسي لأجهزة الأمن، فقد أصبحت الاستدعاءات والاعتقالات ومنع ممارسة الأنشطة المهنية والتهديدات للعائلات والقضايا القانونية ضد الصحفيين أموراً شائعة في السنوات الأخيرة، أُجبر العديد من الصحفيين المستقلين إما على مغادرة إيران أو العمل في جو من الرقابة الشديدة والرقابة الذاتية.
يعتقد الخبراء أن تقييد وسائل الإعلام هو أحد الأدوات الرئيسية التي تستخدمها الحكومة لإخفاء الأبعاد الحقيقية للقمع والإعدامات.
الصوت الذي تريد الحكومة إسكاته
لا تزال عائلات من رفعوا دعاوى قضائية تعاني من ضغوط شديدة، فقد واجهت عائلات ضحايا الاحتجاجات والإعدامات ومن قُتلوا في مراكز الاحتجاز، استدعاءات متكررة واستجوابات واعتقالات وتهديدات، وفي حالات عديدة منعت قوات الأمن إقامة مراسم إحياء الذكرى أو التجمعات التذكارية، كما واجهت بعض العائلات قيوداً وشروطًا أمنية لاستلام جثامين أحبائها، ولا تقتصر هذه السياسة على فترة زمنية محددة، بل تكررت في حالات مختلفة على مدى السنوات الماضية.
الأمم المتحدة تحذر لكن العالم لا يصغي
وأعلن المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن السلطات الإيرانية أعدمت ما لا يقل عن 40 شخصاً بتهم أمنية منذ بداية العام الجاري، وبحسب التقرير فإن 18 على الأقل من الذين تم إعدامهم كانوا من المحتجين.
كما حذر من زيادة الاعتقالات، والقيود المفروضة على حرية التعبير، والضغط على النشطاء المدنيين والصحفيين وعائلات أولئك الذين يسعون إلى تحقيق العدالة، ومع ذلك يعتقد العديد من نشطاء حقوق الإنسان أن التحذيرات الدولية فشلت حتى الآن في منع استمرار عمليات الإعدام.
الضحية الكبرى للمفاوضات السياسية
مع ازدياد حدة القمع الداخلي، لا تزال قضية حقوق الإنسان غائبة بشكل كبير عن المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، وفي الأسابيع والأشهر الأخيرة انصبّ التركيز بشكل شبه كامل من كلا الجانبين على البرنامج النووي، والتطورات العسكرية الإقليمية، والتوترات الأمنية، ومستقبل العلاقات السياسية، في المقابل، حظي مصير السجناء السياسيين والسجينات، والطلاب، والصحفيين، وعائلات المناضلين من أجل العدالة، وضحايا الإعدام، باهتمام أقل، وتدرك السلطات جيداً أن للمجتمع الدولي أولويات أخرى في الظروف الراهنة، وقد وفر هذا مساحة أكبر لاستمرار القمع الداخلي.
إيران بين الأزمة الخارجية والقمع الداخلي
وما يحدث في إيران اليوم ليس مجرد مجموعة من الحالات المنفصلة، إن عمليات الإعدام الجماعي، وعمليات نقل السجناء السرية، والضغط على النساء، وقمع الطلاب، والقيود المفروضة على الصحفيين، والتهديدات الموجهة لعائلات النشطاء، وقتل المواطنين البلوش، ولا مبالاة المجتمع الدولي بهذه العملية، كلها أجزاء من صورة أكبر. صورة لبلد يواجه، إلى جانب الأزمات الإقليمية والضغوط الدولية، أزمة عميقة في حقوق الإنسان؛ أزمة يتزايد ضحاياها كل يوم، لكن أصواتهم تُسمع بشكل أقل فأقل، في ظل هذه الظروف يبقى السؤال الأساسي قائماً إلى متى سيتم تجاهل عمليات الإعدام والقمع وانتهاكات حقوق الإنسان في إيران في ظل الحروب والمفاوضات والاعتبارات السياسية العالمية ؟.