اليوم الدولي للسلام... عندما لا يعني غياب الحرب السلام

أظهرت التطورات بين عامي 2025 و2026 في إيران أن غياب الحرب لا يعني تحقق السلام؛ فالهجمات الواسعة والانتهاكات الحقوقية وتعطل الخدمات أبرزت هشاشة الأمن المدني، ما يدل على أن السلام المستدام يتطلب أكثر من مجرد وقف لإطلاق النار.

مركز الأخبار ـ يصادف الواحد والعشرين من أيلول/سبتمبر اليوم الدولي للسلام، في وقتٍ ما تزال فيه الحروب والنزاعات المسلحة تضرب مناطق واسعة حول العالم، ويواجه ملايين البشر آثار العنف المباشرة وغير المباشرة، من نزوحٍ وانعدامٍ للأمن وتدهورٍ في الظروف المعيشية.

أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 أيلول/سبتمبر 1981 اليوم الدولي للسلام، ثم اعتمدت في عام 2001 تخصيصه مناسبة لوقف إطلاق النار ونبذ العنف. غير أن مفهوم السلام في أدبيات الأمم المتحدة لم يعد مقتصراً على غياب الحرب أو التهدئة المؤقتة، بل أصبح يشمل الأمن، الكرامة الإنسانية، تكافؤ الفرص والتعاون الدولي، احترام حقوق الإنسان، وجود مؤسسات موثوقة قادرة على إدارة الخلافات وبناء الثقة.

ويحمل اليوم الدولي للسلام لعام 2026 شعار "الاستثمار في السلام: للجميع، في كل مكان، كل يوم"، مؤكداً ضرورة توجيه الجهود نحو الحوار، حقوق الإنسان، التنمية المستدامة، الصحة، التعليم، التغذية، الحماية الاجتماعية، إلى جانب تعزيز المؤسسات والآليات الدبلوماسية والتفاوضية التي تساهم في منع النزاعات وبناء السلام المستدام.

 

بيانات عالمية

ووفقاً لتقرير مؤشرات أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، انخفض عدد الضحايا المدنيين في النزاعات المسلحة عام 2025 بنحو 23% مقارنة بعام 2024، من 48.011 إلى 37.163، ومع ذلك لا يزال هذا الرقم مرتفعاً، وتؤكد الأمم المتحدة أن تسجيل الضحايا خلال الحروب غير مكتمل، وقد لا يتم تسجيل بعض الضحايا في الإحصاءات، كان نحو خُمس الضحايا المسجلين عام 2025 من الأطفال ونحو ربعهم من النساء.

وفي الوقت نفسه، لا يزال عدد حالات النزوح القسري مرتفعاً للغاية، أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنه بنهاية عام 2025، نزح نحو 117.8 مليون شخص في العالم قسراً نتيجة للاضطهاد أو النزاعات أو العنف أو انتهاكات حقوق الإنسان أو أحداث خطيرة تُخل بالنظام العام، ويمثل هذا الرقم انخفاضاً عن 123.25 مليون شخص في نهاية عام 2024. لكن الأمم المتحدة لا تعتبر هذا التراجع بالضرورة تحسناً دائماً، إذ يعود جزئياً إلى تزايد أعداد اللاجئين العائدين إلى مناطق لا تزال تعاني في بعض الحالات من انعدام الأمن ونقص الخدمات الأساسية.

ومن جهة أخرى، يستمر الإنفاق العسكري العالمي في الارتفاع، وقد ذكر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI ) أن الإنفاق العسكري العالمي سينمو بنسبة 2.9% بالقيمة الحقيقية ليصل إلى 2.887 تريليون دولار أمريكي في عام 2025، وهذا هو العام الحادي عشر على التوالي الذي يشهد زيادة في الإنفاق العسكري وبلغت حصته من الناتج المحلي الإجمالي العالمي 2.5%، وهو أعلى مستوى مسجل منذ عام 2009.

 

سلام يجب أن يُرى في الحياة اليومية

ولا يُقاس السلام بعدد الضحايا أو حجم الدمار فحسب؛ فالحروب تخلّف آثاراً ممتدة تطال النساء والأطفال على نحوٍ خاص في المناطق المنكوبة بالنزاعات، وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن نحو 676 مليون امرأة وفتاة عشن في عام 2024 على بُعد 50 كيلومتراً من موقع حادث مميت مرتبط بالعنف، وهو أعلى مستوى منذ تسعينيات القرن الماضي. كما وثّقت المنظمة أكثر من 4600 حالة عنف جنسي مرتبطة بالنزاعات خلال العام نفسه، بزيادة بلغت 87% مقارنة بعام 2022.

وبالنسبة للأطفال، تتجاوز تداعيات الحرب حدود الخطر المباشر لتشمل فقدان المأوى، والانفصال عن الأسرة، وتعطّل التعليم أو انقطاعه، وتضرر المرافق الصحية والتعليمة وارتفاع مخاطر سوء التغذية والأمراض إلى جانب الأعباء النفسية الناتجة عن العنف والنزوح.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن اختزال مفهوم السلام في مجرد توقف إطلاق النار، فالأمن المجتمعي وحقوق النساء والأطفال عنصران أساسيان في تقييم آثار الحرب والسلام، ولذلك قد يشكل إطلاق النار خطوة أولى للحد من العنف لكنه لا يكفي وحده لتحقيق سلام مستدام.

 

وجه واحد لانعدام الأمن والسلام

وأظهرت إيران أن غياب الحرب لا يعني بالضرورة حضور السلام، فبعد انتهاء حربها مع العراق عام 1988، مرت البلاد بعقود بلا نزاعٍ مباشر، لكن ذلك لم يمنع استمرار القيود الداخلية، من قمع الاحتجاجات واعتقال النشطاء والصحفيين إلى التمييز والإعدامات، وهي انتهاكات وثّقتها منظمات دولية على مدى سنوات.

ومع اندلاع الهجمات على إيران، برزت هشاشة البنية الاجتماعية والاقتصادية والمؤسسية، ففي حزيران/يونيو 2025، بدأت الحرب بين إيران وإسرائيل، وتلتها هجمات أميركية على منشآت نووية، لترتفع حصيلة الضحايا سريعاً، ووفق الأرقام الرسمية الإيرانية الواردة في وثائق مجلس الأمن، إذ أعلنت وزارة الصحة مقتل 606 أشخاص وإصابة 5332 آخرين، بينهم 107 قتلى خلال يوم واحد، وهذه الأرقام صادرة عن السلطات الإيرانية ولا تُعد تقديراً مستقلاً للخسائر.

وفي عام 2026 اتسع نطاق الهجمات بصورة أكبر، وتحول الوضع ابتداءً من 28 شباط/فبراير إلى أزمة إنسانية شاملة، ووفق تقرير مكتب أوتشا للفترة ما بين الثامن والعشرين من شباط/فبراير والسابع عشر من آذار/مارس الماضيين، تجاوز عدد القتلى 1200 شخص، فيما بلغ عدد الجرحى نحو 17 ألفاً، وتضرر أكثر من 2.5 مليون إنسان، إضافة إلى تدمير ما يزيد على 54 ألف منشأة مدنية، كما أدت الضربات التي طالت البنية التحتية من محطات تحلية المياه إلى مستودعات الوقود إلى تعطّل خدمات أساسية وظهور مخاطر صحية وبيئية واسعة.

وتشير التقارير إلى أن آثار الحرب تجاوزت الخسائر البشرية، إذ تعطلت سبل العيش وتفاقمت الصدمات النفسية، وازدادت صعوبة وصول فرق الإغاثة إلى المناطق المتضررة، وهكذا يتجاوز مفهوم الأمن المدني مجرد الحماية من الهجمات ليشمل استمرارية الخدمات الحيوية وقدرة السكان على كسب العيش.

 

السلام في إيران أكثر من مجرد نهاية للهجمات

ويُظهر الواقع الإيراني أن السلام لا يُختزل في توقف الهجمات العسكرية وحده، فحماية المجتمع تتجاوز غياب القصف لتشمل الحقوق المدنية، حرية التعبير، إمكانية الاحتجاج السلمي، الوصول إلى العدالة، ضمان المساواة بين المواطنين، فالفترة بين الحربين يمكن قياسها أيضاً من خلال مستوى الأمن اليومي وقدرة الناس على ممارسة حقوقهم دون خوف.

وفي عام 2026، وثّقت الآليات الخاصة التابعة لمجلس حقوق الإنسان سلسلة من الانتهاكات، شملت الاعتقالات التعسفية، والاختفاء القسري، والتعذيب، والقيود على حرية التعبير والتجمع، إضافة إلى العنف ضد النساء والفتيات. ورغم أن هذه البيانات تستند إلى "معلومات واردة وادعاءات مقدمة" ولا تُعد دليلاً قاطعاً بذاتها، فانهما تبرزان أن الأمن في إيران مرتبط مباشرة بوضع حقوق المواطنين وليس فقط بغياب العمليات العسكرية.

كما أصدرت الآليات الأممية في العام نفسه بيانات إضافية حول حالات محددة من الاعتقال التعسفي والتعذيب والقيود المفروضة على المدافعين عن حقوق الإنسان، ما يعكس اتساع نطاق التحديات الحقوقية حتى في فترات السلم النسبي.

وتُظهر هذه الوقائع أن السلام بالنسبة للمواطن لا يعني فقط توقف القصف؛ فالتعرض لخطر الاعتقال أو غياب أدوات الاحتجاج السلمي أو انعدام العدالة يفرغ مفهوم الأمن من مضمونه، وهكذا تتجلى الفجوة بين غياب الحرب ووجود السلام: فالحرب هي الشكل الأكثر وضوحاً للعنف، لكن السلام المستدام يتطلب منظومات سياسية وقانونية واجتماعية قادرة على حل النزاعات وحماية الحقوق ومنع الانزلاق إلى العنف. وعليه، فإن قياس السلام في إيران يستلزم النظر إلى مستويين متوازيين: حماية المدنيين من آثار الحرب والهجمات، وضمان حقوقهم وأمنهم في أوقات السلم، إغفال أحدهما يؤدي إلى صورة ناقصة عن الواقع.

 

الفجوة بين "الاستثمار في السلام" وواقع العالم

ويقدم شعار اليوم الدولي للسلام لعام 2026، "الاستثمار في السلام: للجميع، في كل مكان، كل يوم"، رؤية تؤكد أن السلام ليس مجرد غيابٍ للحرب، بل عملية تتطلب عملاً يومياً موجهاً لحماية الإنسان وقدرته على العيش بأمان وكرامة، ورغم انخفاض الخسائر في صفوف المدنيين عام 2025 مقارنة بالعام السابق فإن استمرار نزوح الملايين وبلوغ الإنفاق العسكري العالمي أعلى مستوى مسجل في بيانات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام يعكس أن العالم لا يزال بعيداً عن تحقيق سلام مستدام.

وتشير الأمم المتحدة في رسالتها لعام 2026 إلى أن السلام لا يتحقق تلقائياً، بل يتطلب الاستثمار في الصحة، التعليم، التغذية، الحماية الاجتماعية، إضافة إلى صون حقوق الإنسان، وتعزيز المؤسسات القادرة على حل النزاعات عبر الحوار والتفاوض وآليات بناء السلام.

وتُظهر البيانات المتاحة صورةً متباينة: فبينما انخفضت الخسائر المدنية في عام 2025، بقيت مستويات النزوح مرتفعة، واستمر الإنفاق العسكري في الصعود، وتواصلت النزاعات المسلحة، ما يشير إلى فجوة واضحة بين المؤشرات الإيجابية المحدودة والواقع الأمني العالمي.

وفي هذا السياق، يصبح اليوم الدولي للسلام فرصة لتقييم مدى واقعية السلام في حياة الناس: هل يشعر المواطنون بالأمان؟ هل يستطيع الأطفال الذهاب إلى مدارسهم دون خوف؟ هل تُحترم حقوق النساء والفئات الضعيفة؟ وهل تُحل النزاعات عبر مؤسسات مسؤولة وآليات سلمية؟ فهذه الأسئلة تٌظهر أن السلام يتجاوز وقف إطلاق النار ليشمل ضمان الحقوق والعدالة والكرامة الإنسانية.

وبذلك، يتكون السلام المستدام من مجموعة عناصر مترابطة: وقف العنف، حماية المدنيين، احترام حقوق الإنسان، توفير الخدمات الأساسية، وتعزيز آليات حل النزاعات، ومن خلال هذه العملية المتكاملة يمكن الانتقال من هدنه مؤقتة إلى سلام قابل للاستمرار في حياة الناس اليومية.