التأثيرات الثقافية والاجتماعية على المرأة في إقليم كردستان

أفزام فيان

إن تاريخ المرأة في إقليم كردستان، الذي باعتباره جزءاً من الأراضي الكردية وتحت تأثير الإسلام والاتجاهات الحديثة، شهد العديد من التغيرات والأزمات، وهو مليء بالتعقيدات الاجتماعية والمعارضة، ومنذ العصور القديمة، كان دور المرأة في هذه الأرض متأثراً دائماً بالمؤسسات الدينية والثقافية والسياسية.

لقد كان وصول الإسلام إلى المناطق العربية نقطة تحول في التطور الثقافي والاجتماعي لهذه الأرض، خاصة في منع دفن النساء أحياء، في حين أن المرأة تتمتع بحقوق مثل حق الميراث والطلاق والمشاركة الاجتماعية في الثقافة الاجتماعية، إلا أن التفسيرات المختلفة لهذه النصوص من قبل الفقهاء والعلماء، خاصة في فترات تاريخية مختلفة، فرضت العديد من القيود على المرأة.

على مر التاريخ، تم فرض مفاهيم تقليدية مثل "الحجاب" و"النقاب" و"القمع الاجتماعي" على النساء في شكل تعاليم إسلامية، وكانت المرأة في هذا المجتمع، وخاصة في العصر ما بعد الإسلامي، تتعرض لضغوط كبيرة من المجتمع الديني والثقافي، الذي أنكر عليها الحق في الاختيار الحر في العديد من جوانب الحياة.

والنقطة المهمة في هذا السياق هي أن التعاليم الدينية في العديد من المجتمعات الإسلامية، خاصة في إقليم كردستان، لم تعمل فقط على تقليص الأدوار الاجتماعية والسياسية للمرأة، بل فرضت أيضاً معايير دينية واجتماعية أدت إلى تمييز واضح ضد المرأة، وقد أدت هذه الممارسات الدينية والثقافية إلى جعل المرأة الكردية في هذه الأرض تواجه باستمرار العديد من العقبات في ضمان حقوقها الاجتماعية والفردية.

 

تحديات الحداثة الرأسمالية وهوية المرأة

مع ظهور الحداثة الرأسمالية في المجتمعات الكردية، وما صاحبها من تغيرات اقتصادية وثقافية وسياسية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، لم تحقق تقدماً جديداً في وضع المرأة، فقد تغيرت الهياكل الاجتماعية والثقافية على نطاق واسع خلال هذه الفترة، خاصة مع تطور وتوسع النظام الرأسمالي، دخلت المرأة مختلف المجالات الاجتماعية كقوة عاملة جديدة في المجتمعات الصناعية.

إن الدخول إلى ساحات جديدة، خاصة في إطار ثقافة الاستهلاك والاعتماد على الغرب، لم يعزل المرأة عن ثقافتها وهويتها فحسب، بل أوقعها أيضاً في فخ السعي إلى "انعدام الهوية"، وبدلاً من أن تسلك طريق المعرفة الذاتية والتطور الفردي والاجتماعي، أصبحت مجرد أداة استهلاكية تحاول فقط جذب الانتباه وتلبية الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية من خلال نمط الحياة الغربي.

ومن ناحية أخرى، أدى هذا الاتجاه إلى مواجهة المرأة في هذه المجتمعات أزمة هوية خطيرة لأنها لم تتمكن من خلق هوية ثقافية مستقرة ومستقلة في ظل الصراع بين الثقافة التقليدية والحداثة الغربية، ومن ناحية أخرى، أجبرت الحداثة الرأسمالية، مع حملتها الإعلانية المستمرة للاستهلاك والجمال الخارجي، النساء على قبول معايير لا تتناسب مع هويتهن الثقافية والدينية فحسب، بل إنها قوضت إلى حد كبير أدوارهن التقليدية.

 

الأضرار الناجمة عن الضغوط الدينية والاجتماعية والاقتصادية

إن الضغوط الدينية والاجتماعية، وخاصة في المجتمعات الأبوية، جعلت المرأة الكردية في إقليم كردستان تجد نفسها في وضع صعب، ويعد العنف الأسري والزواج القسري والهيمنة الدينية التي تفرضها بعض التفسيرات المتطرفة للنصوص الدينية من بين التحديات الخطيرة التي تواجهها المرأة في هذه المنطقة.

إن هذه الضغوط كبيرة لدرجة أن العديد من النساء في المجتمعات الكردية، وخاصة في المناطق الريفية والنائية، محرومات حتى من أبسط حقوقهن الإنسانية، وفي بعض الحالات، تضطر النساء اللاتي تواجهن هذه الضغوط إلى قبول حياة مقيدة بشدة اجتماعياً واقتصادياً، ومن ناحية أخرى، تواجه النساء داخل المجتمع الحضري أيضاً أزمات هوية واجتماعية ناجمة عن نفس الصراع بين الحداثة والتقاليد الدينية.

 

التطورات الاجتماعية ووجهات النظر النقدية

يتأثر وضع المرأة في إقليم كردستان بالضغوط الاجتماعية والدينية في العديد من المناطق، وتشير التطورات الاجتماعية الأخيرة وتنظيم المرأة الذاتي إلى تغييرات مهمة، ومن بين أهم التغيرات زيادة الوعي الاجتماعي وسعي المرأة لتحقيق المساواة في الحقوق مع الرجل، سواء على المستوى التعليمي أو المهني أو حتى السياسي.

وتظهر هذه التطورات أنه على الرغم من كل الضغوط والقيود، تمكنت المرأة الكردية في إقليم كردستان من السيطرة على الآليات الاجتماعية والثقافية مع وعي أكبر بحقوقها، والمهم هنا هو أن النساء تحاولن بشكل متزايد إعادة تعريف أدوارهن الاجتماعية والسياسية والتحرر من القيود الدينية والاجتماعية التي قيدتهن لقرون من الزمان.

ويمكننا القول إن وضع المرأة في إقليم كردستان قد تغير وواجه تحديات على مر التاريخ، وخاصة في فترة ما بعد الإسلام وفي مواجهة الحداثة الرأسمالية، لكن التطورات التي يشهدها المجتمع الكردي اليوم تظهر أن المرأة تمكنت من مقاومة هذه الضغوط والسعي للحصول على هويتها وحقوقها، ويمكن اعتبار هذه الحركات، وخاصة في اتجاه المساواة بين الجنسين والدفاع عن حقوق الإنسان، نقطة تحول في تاريخ نضال المرأة بإقليم كردستان والمنطقة بشكل عام.

 

تأثير السياسات العراقية على المرأة الكردية

لقد تأثرت المرأة في إقليم كردستان بالتسلسلات الاجتماعية والدينية والاقتصادية لعدة قرون، ولذلك فإن وضعهن الاجتماعي لا يتأثر فقط بالضغوط الناجمة عن الأيديولوجية المحلية والثقافية والدينية، بل إن التطورات السياسية والاقتصادية في العراق كان لها تأثير عميق على حياة المرأة الكردية.

لقد لعبت سياسات الحكومة المركزية، على مدى التاريخ العراقي، خاصة خلال المراحل المختلفة لنظام البعث وبعد سقوط صدام حسين، دوراً هاماً في تشكيل وضع المرأة الكردية، فقد طبق النظام البعثي بقيادة صدام حسين سياسات قاسية للسيطرة على الأقليات العرقية والدينية وقمعها، خاصة في السبعينيات والثمانينيات، مما كان له تأثير سلبي بشكل خاص على النساء.

ففي عهد صدام حسين، واجهت المرأة الكردية سياسات قمعية وحرباً أهلية، فخلال هذه الفترة، تعرضت العديد من النساء الكرديات، خاصة في إقليم كردستان، لقمع شديد وهجمات عسكرية، وفي محاولة للسيطرة على المناطق الكردية، طبق نظام البعث سياسات عسكرية وأمنية قاسية عرضت النساء للعنف الجسدي والتحرش الجنسي وفقدان الحقوق الأساسية، لقد كانت العديد من النساء، خاصة خلال الهجوم الكيميائي على حلبجة، ضحايا بريئة لهذا القمع.

 

التطورات الاجتماعية والسياسية بعد عام 2003

مع سقوط نظام صدام حسين في عام 2003 والتغيرات السياسية الكبرى في العراق، واجهت المرأة الكردية تطورات جديدة في مختلف المجالات، ورغم أن هذه التطورات توفر فرصاً محتملة للتقدم والتحسين في وضع المرأة، فإنها خلقت في الممارسة العملية أيضاً تحديات جديدة ينبغي أخذها في الاعتبار.

وعلى الرغم من كل الجهود التي تبذلها النساء، خاصة داخل حكومة إقليم كردستان، فإن الحواجز الثقافية والاجتماعية على المستوى المحلي لا تزال تمنع التغيير الكامل في حياة المرأة الكردية، ولا تزال العديد من النساء متأثرات بالمؤسسات الدينية والثقافية التي تمنعهن من المشاركة بشكل أكبر في الساحة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبناءً على التفسيرات التقليدية للدين والثقافة، يمكن لهذه المؤسسات أن تلعب دوراً هاماً في تقييد حريات المرأة.

رغم التقدم المحرز في مجال حقوق المرأة في إقليم كردستان، إلا أن هناك تحديات لا تزال قائمة في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ومن بين المشاكل الأكثر خطورة قضية عدم المساواة بين الجنسين في سوق العمل، والتي تواجه العديد من النساء ذوات الأجور المنخفضة والفرص الوظيفية الأقل، ولا يزال العنف الأسري والزواج القسري من بين المشاكل الاجتماعية التي لها تأثير سلبي كبير على المرأة.

وأخيراً، يمكن تحليل تأثير السياسات العراقية على المرأة في إقليم كردستان على عدة مستويات مختلفة، ومن ناحية أخرى، لم توفر التغيرات السياسية بعد سقوط نظام صدام حسين وتشكيل حكومة إقليم كردستان مرة أخرى فرصاً لتعزيز حقوق المرأة، في حين لا تزال التحديات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تمنع نيل المرأة حقوقها، ونظراً لهذه التعقيدات، ينبغي للحكومة تقديم المزيد من الدعم للمرأة ومقاومة الضغوطات الدينية والاجتماعية لتحقيق المساواة بين الجنسين.