القائد أوجلان يوجه رسالة لمهرجان الثقافة الكردية في ألمانيا

أكد القائد أوجلان خلال رسالة موجهة لمهرجان الثقافة الكردية في ألمانيا أن إنهاء الآلام الماضية ينطلق من إقرار نظام يتيح لكافة الشعوب ممارسة حقوقها الثقافية والسياسية بكرامة وعلى أرضها.

مركز الأخبار ـ وجه القائد عبد الله أوجلان رسالة لمهرجان الثقافة الكردية الدولي المقام في ألمانيا، موضحاً أن الأندماج الديمقراطي يضمن حرية المجتمعات في الحفاظ على هويتها وثقافتها وتنظيم حياتها بأساليب ديمقراطية دون التخلي عن وجودها.

انطلقت اليوم السبت 5 أيلول/سبتمبر في مدينة دورتموند الألمانية أعمال الدورة الـ 34 لمهرجان الثقافة الكردية الدولي، المنعقد تحت شعار "مع قيادة حرة نحو مجتمع ديمقراطي"، وشهدت الفعالية حدثاً بارزاً تمثل في توجيه رسالة خاصة من القائد عبد الله أوجلان والذي جاء فيه ما يلي:

إلى مؤتمر الثقافة الأصدقاء الأعزاء، المشاركون الكرام أحييكم بمناسبة مهرجان الثقافة، وآمل أن يسهم هذا اللقاء في مسعاكم من أجل الحرية، وفي التعارف بين الثقافات، وفي ترسيخ فكرٍ يتطلع إلى مستقبل مشترك.

إننا اليوم في مرحلة جديدة من مسار جديد، وعلينا أن نطوي صفحة الصراعات والآلام التي عرفناها في الماضي، وأن نستخلص العبر مما حدث، وأن نفتح طريقاً جديداً، ويقوم أساس هذا الطريق على المجتمع الديمقراطي، والسياسة الديمقراطية، والحياة الحرة المشتركة للشعوب.

الهوية واللغة والثقافة لا تُمحى بالقسر هذه قاعدة عامة، المجتمعات لا تزول، فالهوية واللغة والثقافة لا يمكن محوها بالقسر. وليست قضيتنا، مثلاً، إلغاء الاختلافات فيما بيننا، وإنما بناء نظام ديمقراطي يستطيع فيه كل شعب أن يكون حاضراً بحرية بهويته وثقافته، وأن تصبح الحياة المشتركة ممكنة.

شعبنا العزيز، أيها المشاركون الكرام، ينبغي أيضاً النظر إلى "مسار السلام والمجتمع الديمقراطي" الذي دفعنا به إلى الأمام ضمن هذا الإطار التاريخي، فهذا المسار ليس مجرد إعلان عن موقف سياسي جديد، بل هو، في الوقت نفسه، تعبير عن إرادة التخلي عن أسلوب سابق في النضال وبدء مرحلة جديدة.

حسنًا، ماذا سنضع مكان الأسلوب السابق؟ إن المقاربة الأساسية التي توصّلنا إليها هي الاندماج الديمقراطي. والاندماج الديمقراطي لا يعني أن يتخلّى مجتمع ما عن هويته أو ثقافته أو وجوده الاجتماعي. بل على العكس تماماً، إنه يعني أن يكون الإنسان حاضراً بهويته داخل المجتمع بصورة حرّة، وأن ننظّم حياتنا الاجتماعية بالوسائل الديمقراطية.

ومن مهامنا الأساسية أن يعود الأشخاص الذين أُجبروا على المنفى، أو الذين أُعلن أنهم خارجون عن القانون، إلى أرضهم، وأن يتمكّنوا من ممارسة السياسة الديمقراطية والمشاركة في بناء مستقبلهم.

وليس صحيحاً أن يُنظر إلى ذلك باعتباره تخلّياً عن الحرية، فمثل هذه النظرة تكشف عن عدم فهم التجربة التاريخية والاحتياجات الراهنة التي تواجهنا فهماً صحيحاً. وعلى العكس فإن ما نتحدث عنه هنا هو تحوّل سلمي يقوم على استخلاص العبر من تجربتنا التاريخية، وعلى جعل قوة السياسة الديمقراطية أساساً بدلاً من العنف والحرب، ومن هنا فصاعداً، تزداد الحاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى السياسة والتنظيم، وإلى نضال ديمقراطي أكثر قوة.

هذا هو أيضاً مفهوم المجتمع الذي أتبناه. إن تمكّن المجتمع من تنظيم نفسه لا يعني إحلال المجتمع مكان الدولة. بل إن القضية الأساسية هي جعل المجتمع عاملًا فاعلاً ومؤسساً للحياة الديمقراطية، لذلك، ينبغي ألا ننظر إلى الحياة الديمقراطية على أنَّها تقتصر فقط على التمثيل في البرلمان والأحزاب السياسية.

فالإدارات المحلية، ومجالات الثقافة والتعليم، والمنظمات النسائية، والأنشطة الشبابية، والتعاونيات، وجميع التنظيمات التي ينشئها الناس حول حياتهم، تعد أجزاء مهمَّة من الحياة الدِّيمقراطية، ومن المشكلات الأساسية التي نواجهها اليوم في أوروبا، وكذلك في العديد من أنحاء العالم، استخدام الموارد الطبيعيَّة والاقتصادية التي تمتلكها المجتمعات من دون موافقة المجتمع، علينا استخدام حقوقنا الديمقراطية في مواجهة الاستهلاك غير المحدود للموارد الموجودة تحت الأرض وفوقها من قبل الشركات الدولية، وفي مواجهة تجاهل إرادة السكان المحليين.

إذا كانت هناك معادن أو نفط أو مياه أو أي موارد طبيعية أخرى في منطقة ما، فيجب أن يكون للسكان الذين يعيشون هناك حق الكلمة والقرار بشأن كيفية استخدام ذلك المورد. ولا ينبغي أن تكون إرادة السكان المحليين مجرَّد إرادة يُستمع إلى رأيها، بل يجب أن تكون صاحبة كلمة حقيقية في اتخاذ القرارات.

وتُعد رها أحد أبرز الأمثلة على ذلك، ففي هذه الجغرافيا التي تُعد إحدى أهم مراكز الثقافة النيوليتية، لا يزال الفقر والبطالة يُعانيان منها بشكلٍ خطير حتى اليوم. وقد تشتَّت سكان رها في أنحاء العالم، وهذا المشهد يوضح لنا أيضاً النتائج التي يمكن أن تترتب على فقدان المجتمع حقه في الكلمة بشأن موارده ومستقبله.

وبهذه المناسبة، أودّ أن أُسلّط الضوء بشكل خاص على حق المرأة في تقرير مصيرها. ففي مجتمع لا تتمتَّع فيه المرأة بالحريَّة، لا يُمكننا الحديث عن مجتمع ديمقراطي، إنَّ أيَّ نوع من التدخل القسري ضد حياة المرأة وإرادتها الحرة أمر غير مقبول..

ويتمثَّل بُعد أساسي آخر للحل الديمقراطي في حريَّة الهوية والمعتقد والفكر والثقافة، ولا ينبغي النَّظر إلى ممارسة الكرد، أو أي مجموعة اجتماعية أخرى، لغتها وثقافتها وهويتها على أنها تهديد، إنَّ القضية الأساسية هنا هي ألا تعرقل الدَّولة التطوّر المجتمعي.

فمهمّة الدَّولة ليست وضع المجتمع في قالب واحد، بل تهيئة الظّروف التي تستطيع فيها الهويَّات والمجتمعات المختلفة أن تعيش معاً بصورة ديمقراطية وحرَّة.

واليوم، فإنَّ ما ينبغي قوله للشَّبيبة في أوروبا، ولكل القوى الديمقراطيَّة في تركيا والشَّرق الأوسط، ولكل من يناضل، هو التالي: أمامنا نضال شاق وصعب للغاية.

لكن هذا النضال لم يعد، في الأساس، نضال الأسلحة، بل هو نضال السياسة والتنظيم والثقافة والاقتصاد والتضامن المجتمعي، ومع ترك مرحلة وراءنا، يجب توسيع مجال النضال الديمقراطي. وأقوى أشكال الدفاع هو المجتمع المنظّم. فالمجتمع القادر على حل مشكلاته بنفسه، وإنشاء مؤسَّساته الخاصَّة، والحفاظ على ثقافته، وممارسة السياسة الديمقراطيَّة، يستطيع أيضاً الدِّفاع عن مستقبله بصورة أقوى.

وأؤمن بأنه لا ينبغي لأوروبا أن تتعامل مع هذه العملية باعتبارها مجرَّد مراقب ينظر إليها من الخارج. فالتجربة التاريخية لأوروبا تُظهر مدى خطورة النتائج التي يمكن أن تترتَّب على الحروب والصِّراعات المتمحورة حول الدَّولة القوميَّة.

لكن التاريخ نفسه يُظهر أيضاً أن نماذج تمكّن الهويَّات والشُّعوب المختلفة من العيش معاً في إطار القانون الديمقراطي هي نماذج ممكنة، إن ما نحتاج إليه اليوم ليس فصل الشعوب والمعتقدات عن بعضها البعض، بل تمكينها من العيش معاً بصورة ديمقراطيَّة، مع الحفاظ على حريَّاتها وهويَّاتها الخاصَّة.

وبالطبع، قد تكون هناك انتقادات واعتراضات بشأن طبيعة العملية التي طورناها وأبعادها النظرية. لكن هذا الوضع ينبغي ألا يشكِّل عائقاً أمام اجتماعنا معاً وخوضنا النضال جنباً إلى جنب، فلنعمل جميعاً على استكمال أوجه النقص في المرحلة الجديدة من خلال الانتقادات.

فمن دون الثقة، لا يمكن لأي تحوّل ديمقراطي أن يصبح دائماً، ولذلك، من الضروري عدم تأخير الترتيبات السياسيَّة والقانونية، وإزالة العقبات التي تعترض طريق السياسة الديمقراطية، وتهيئة الظروف التي تمكِّن جميع أطراف العملية من الشعور بالأمان، وأتمنى أن يسهم مهرجانكم في هذا النقاش، وأن يكون مناسبة تساعد الشعوب على فهم بعضها البعض بصورة أفضل والتقارب فيما بينها.

إنَّ مهمَّة المرحلة الجديدة ليست إعادة عيش الماضي، بل استخلاص الدروس منه وبناء حياة جديدة أكثر حرية وديمقراطية، تكون فيها إمكانية العيش المشترك متاحة.

أحييكم جميعاً باحترام.

عبد الله أوجلان ـ إمرالي