العنف الرقمي مشروع إيديولوجي لإخضاع المرأة
تحول الفضاء الرقمي بعد انتفاضة Jin Jiyan Azadî إلى ساحة جديدة للعنف الممنهج ضد النساء، حيث كُثفت التهديدات والاختراقات وانتشر استخدام التزييف العميق، وتستغل الأجهزة الأمنية والجماعات الأبوية هذه الأدوات لاستهداف الناشطات، بهدف تقييد حريتهن.
شيلان سقزي
مركز الأخبار ـ يشكّل العنف الرقمي واحداً من أبرز التحديات التي تواجه النساء في العصر الحديث، حيث تتزايد أشكاله عبر منصات التواصل الافتراضي والفضاء الإلكتروني، هذا العنف لا يقتصر على الإساءة اللفظية أو التنمر الإلكتروني بل يمتد إلى انتهاك الخصوصية، ما يترك آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الضحايا.
في الأنظمة الدينية السياسية الاستبدادية تُعامل النساء كتابعات، ويُنظر إليهن كتهديد للنظام الأبوي، في إيران، برز هذا التهديد مع الانتفاضات الاجتماعية واستعادة النساء السيطرة على أجسادهن وأصواتهن، فانتقل القمع من الشوارع إلى الفضاء الرقمي، أصبح العنف الرقمي امتداداً للتسلط التقليدي، مدعوماً بالتكنولوجيا، حيث تحول الفضاء الإلكتروني من ساحة تحرر إلى أداة جديدة للسيطرة والإقصاء، تُمارَس عبر الأجهزة الأمنية والجيوش الإلكترونية.
يتناول هذا التقرير دور ووظيفة العنف الرقمي ضد المرأة، وكيف تستخدم السلطة الفضاء الإلكتروني كأداة للسيطرة على الناشطات الاجتماعيات والمدنيات وقمعهن وتهميشهن سياسياً، كما يتناول التقرير العواقب الفردية والجماعية لهذا النوع من العنف على نفسية المرأة وهويتها ومشاركتها السياسية.
العنف الرقمي امتداد للسلطة الأبوية
تشير التقارير الحقوقية إلى أن العنف الرقمي ضد النساء لم يعد يقتصر على الإهانات والتحرشات الفردية، بل يتخذ أشكالًا متعددة على ثلاثة مستويات فردي، جماعي ورسمي، فعلى المستوى الفردي، يتجلى في التحرش الجنسي عبر الإنترنت، كشف المعلومات الشخصية، الابتزاز، والتهديد بالعزلة، أما على المستوى الجماعي، فيُعاد إنتاج الصور النمطية المعادية للنساء، ويُشوَّه الخطاب النسوي، وتُقصى النساء من فضاءات النقاش على الشبكات، وعلى مستوى الدولة، يُستخدم العنف الرقمي كأداة للسيطرة على أجساد النساء وعقولهن وهوياتهن، عبر التجسس والتنميط الإلكتروني وقمع السرديات النسوية، ويرى مراقبون أن هذا النمط من القمع يمثل امتداداً تكنولوجياً للنظام الأبوي الاستبدادي، حيث لم يعد إقصاء النساء مقتصراً على الشوارع، بل امتد ليشمل الفضاء الإلكتروني أيضاً.
الجسد الأنثوي ساحة معركة للمنصات الأبوية
أفادت دراسات حديثة أن العنف الرقمي ضد النساء يتخذ بنية متعددة المستويات تعمل بشكل متزامن. فعلى المستوى الفردي، يتجلى في التهديدات والتحرش الجنسي والتزييفات العميقة ونشر الصور الخاصة، ما يترك آثاراً نفسية خطيرة من خوف واضطراب دائم، وعلى المستوى النفسي ـ البيولوجي، تُخضع المراقبة المستمرة والتشهير والتحكم الرقمي بجسد المرأة لضغط دائم يدفعها نحو العزلة، أما على المستوى الاجتماعي - السياسي، فيظهر العنف الرقمي عبر تشويه الهوية وتهميش الخطاب النسوي وإقصاء النساء من الفضاءات العامة، بما يؤدي إلى استبعادهن من الحوار والنشاط السياسي، ويرى خبراء أن الفضاء الرقمي في ظل غياب حماية قانونية وعدالة المنصات، بات امتداداً حديثًا لآليات الإقصاء والسيطرة الأبوية.
جسد المرأة ساحة معركة سياسية وثقافية
يُمارَس العنف الرقمي ضد النساء على المستوى الجماعي عبر تحالف من جماعات أيديولوجية غير حكومية تُعرف بـ "فرق الضغط الأبوي"، تعمل تحت شعارات الدين والشرف والنظام الاجتماعي لإسكات النساء وقمعهن على المنصات، وتُشكل هذه الجماعات جيوشاً إلكترونية مدعومة من مؤسسات السلطة لتعزيز السيطرة الأخلاقية والسياسية على جسد المرأة، فيما تساهم خوارزميات المنصات في تكريس هذا العنف عبر إبراز المحتوى المهين وإعادة إنتاج الصور النمطية، ويرى خبراء أن جسد المرأة بات ساحة معركة سياسية وثقافية، حيث يُستخدم العنف الرقمي كأداة للإقصاء والإخضاع.
من التنصت إلى القمع التكنولوجيا تحكم النساء
على مستوى الحوكمة، لا يُعدّ العنف الرقمي انحرافاً بل جزءاً من البنية السياسية والأمنية للدول الاستبدادية، حيث تُستخدم أدوات المراقبة والتنصت واستخراج البيانات لبناء ملفات ضد الناشطات وتصويرهن كتهديدات أمنية، كما يُهمَّش الخطاب النسوي عبر هندسة الرأي العام ووَصمه بالتبذير أو التخريب، ليصبح هذا العنف امتداداً تقنياً لآليات القهر التاريخي لأجساد النساء وأصواتهن.
إن العنف الرقمي ضد المرأة ليس مجرد إهانة أو تأثير فردي، بل تحول إلى أداة منهجية للسيطرة والإقصاء، فمن التزييفات الجنسية العميقة والقرصنة ونشر المعلومات الخاصة، إلى المراقبة الجندرية والتهديدات بالقتل والاغتصاب، باتت أجساد النساء وكرامتهن أهدافاً مباشرة للقوى الأبوية والدينية والأمنية، وتشير دراسات إلى أن هذه الممارسات تعكس نظاماً استبدادياً رقمياً، حيث تساهم خوارزميات المنصات في تكريس العنف عبر إعادة إنتاج الصور النمطية وتعزيز الخطابات المهينة، ليصبح الفضاء الإلكتروني وسيلة لتحييد سلطة المرأة في المجال العام.
المرأة في الفخ المزدوج
يُحوّل العنف الرقمي النساء إلى ضحايا للمراقبة المستمرة، ضحايا تتآكل هوياتهن الاجتماعية والسياسية تدريجياً في الفضاء الإلكتروني، ولا يقتصر التهديد بكشف الصور أو المعلومات على جسد المرأة فحسب، بل يتحكم أيضاً بإرادتها، فالتشهير يستبعدها من المشاركة العامة لتجدن أنفسهن عالقات بين ضغطين من جهة عنف المجتمع الأبوي، ومن جهة أخرى، القمع التنظيمي للدولة، والذي يشكل أداة لتحييد النساء جماعياً في مجالات السياسة والنشاط والعيش الحر.
في إيران، يُعدّ العنف الرقمي ضد المرأة جزءاً من سياسة كراهية نسائية هيكلية أوسع نطاقاً، تتغذى على الفقه البشري والسلطة الدينية، المُحدّثة في العصر السيبراني، هذا العنف ليس مجرد انحراف فردي أو تحرش متقطع، بل هو أداة لقمع المرأة وإقصائها والسيطرة عليها في جميع جوانب الحياة.
تسيطر الدولة على أجساد النساء وتعاقبها بآليات مراقبة واسعة النطاق، من التنصت والاختراق إلى إنتاج مقاطع مزيفة ونشر معلومات خاصة، لمعاقبة النساء واعتبار أجسادهن تهديداً للنظام الإسلامي، وتنفذ جيوش إلكترونية مرتبطة بالأمن والجماعات الدينية هجمات منسقة تحت شعار "الوقاية الرقمية"، ما يحوّل كل امرأة ناشطة أو مستقلة إلى هدف أمني ويقصيها عبر التهديد والإذلال، في هذا النظام ليس العنف الرقمي وليد الصدفة، بل هو مشروع أيديولوجي يهدف إلى تشكيل الذات الأنثوية الخاضعة، الصامتة، وغير المرئية، تستخدم السلطات الإيرانية الأدوات الإلكترونية بنفس الطريقة التي تستخدم بها قوانين الحجاب ودوريات الإرشاد الإسلامي، لتكريس الخضوع.
تشير تحليلات إلى أن جسد المرأة في البنية الأيديولوجية للجمهورية الإسلامية يُعامل كساحة صراع سياسي وديني، حيث تُعاد صياغة هذه الأيديولوجية الجنسانية - السياسية في القوانين والفضاءات العامة والرقمية على حد سواء، وتتحول المؤسسات الأمنية وشرطة المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية إلى أداوت قمع ومراقبة ومعاقبة تستهدف النساء على أساس جنساني، وفي إطار مشروع "النظام الأخلاقي الإسلامي"، تُستخدم التكنولوجيا والتجريم الرقمي للسيطرة على أجساد النساء.
تُجرَّم النساء اللواتي يتحكمن بأجسادهن (مثلاً، بالرقص، أو ارتداء ملابس مختلفة، أو الاحتجاج) في هذا النظام السيبراني الديني، وتستخدم أجهزة الأمن أدوات رقمية لتشويه سمعتهن وتهديدهن، وفي نهاية المطاف القضاء عليهن، يجمع هذا النظام بين نزع الطابع السياسي ونزع الطابع الجنسي، محولاً جسد المرأة ليس فقط إلى أداة للسيطرة بل إلى سلاح للترهيب الجماعي للنساء الأخريات، وهو عنف ليس رد فعل فوري بل آلية منهجية وأيديولوجية لقمع أي ذاتية أنثوية في السياقين السياسي والرقمي.
تصاعد العنف الرقمي ضد النساء بعد الانتفاضة الشعبية حيث لم تقتصر السلطات الأمر على الاعتقالات، بل استخدمت أدوات رقمية للإهانة وتشويه السمعة، كما تعرضت ناشطات وصحفيات وفنانات في الخارج لهجمات إلكترونية وتهديدات باختراق حساباتهن ونشر صورهن، ما أدى إلى زيادة الرقابة الذاتية، العزلة، والصدمات النفسية، وإضعاف التضامن داخل الحركة، وفي نهاية المطاف، تستخدم السلطات الإيرانية العنف الرقمي ضد المرأة ليس فقط للقمع، بل لإعادة إنتاج النظام الأبوي في السياق التكنولوجي الحديث، وهذا ما يمكن أن نطلق عليه "كراهية الدولة الرقمية للنساء".