المرأة... صانعة الحياة والسلام
.
مقال بقلم عضوة منسقية مجلس المرأة في شمال وشرق سوريا عفاف حسكي
منذ فجر التاريخ، لم تكن المرأة مجرد نصف المجتمع، بل كانت صانعة النصف الآخر، هي من أنضجت أول حبة قمح على نار الحكمة، وبنت بيديها أول تنور ليصبح البيت وطناً، ونطقت أول حرف ليصبح الصوت لغة، ووهبت أول نبض ليصير الجسد حياة.
المرأة الكردية كشقيقتها السورية بكل مكوناتها، لم تكن يوماً على هامش الوجود، بل في قلبه النابض، تمنح الحياة وتحميها، وتزرع السلام حين يعجز الآخرون عن صنع البارود والحروب.
هذه المقدمة ليست احتفاءً بدور تقليدي، بل هي تأسيس لفهم جديد، فالمرأة التي تخلق الحياة هي الأكثر قدرة على الدفاع عنها، والأجدر بقيادة مسيرة تحررها.
ومن هذا الفهم العميق، لم تكن وحدات حماية المرأة YPJ مجرد تأسيس لقوة عسكرية، بل كانت إعلاناً عن ثورة فكرية عميقة في مواجهة الذهنية الذكورية التي هيمنت على التاريخ والمجتمع، تلك الذهنية التي قامت على ثلاثية السيطرة، التملك، والإقصاء، وسعت إلى تعريف المرأة ضمن أطر ضيقة تحرمها من دورها الحقيقي كقوة فاعلة في الحياة.
ففي الجزيرة، كوباني، الرقة، والباغوز، وفي كل شبر حررته أياد مقاتلة، أثبتت نساء هذه الوحدات أن الشجاعة ليست صفة ذكورية بل قيمة إنسانية، وأن الدفاع عن المجتمع ليس حكراً على جنس دون آخر.
المرأة حملت السلاح في وجه داعش أخطر تنظيم إرهابي عرفه العصر، وكانت في الخطوط الأمامية لتحرير مناطق شاسعة من سوريا. ولم تكتفي بطرد الظلام الداعشي، بل قدمت خلال تضحياتها نموذجاً جديداً للعلاقة بين المرأة والمجتمع، علاقة تقوم على الشراكة والمسؤولية، ورسخت حقيقة أن المرأة ليست فقط ضحية الحروب، بل صانعة السلام وقائدة التحرير.
واليوم، ونحن نقف على أعتاب مرحلة جديدة من تاريخ سوريا، نرى محاولات ممنهجة لإعادة إنتاج الذهنية القديمة بأشكال جديدة، أخطرها حين يطرح موضوع بناء الجيش السوري الجديد، فتسمع أصوات تحاول اختزال دور المرأة وتهميش التجربة الفريدة التي قادتها وحدات حماية المرأة.
إن الحديث عن مؤسسة عسكرية وطنية لا مكان فيها للمرأة أو تهميش دور مقاتلات أثبتوا جدارتهم في أحلك الظروف، ليس مجرد رأي تنظيمي، بل هو امتداد لمنظومة إقصائية لا تعترف بالتضحيات ولا بالواقع الجديد الذي فرضته الدماء الزكية.
إن حق المرأة في الانضمام إلى الجيش ليس منة، ولا هبة قابلة للإلغاء، بل هو حق طبيعي وإنساني وقانوني وواحب وطني. فالجيش بوصفه مؤسسة لحماية المجتمع والوطن يجب أن يعكس تركيبة هذا المجتمع، وإلا فقد جزءاً أساسياً من روحه وقدرته.
إن إقصاء تجربة وحدات حماية المرأة من معادلة الجيش السوري الجديد يعني إضعاف المؤسسة العسكرية نفسها، لأنها تفقد طاقة هائلة وخبرة متراكمة في الحرب على الإرهاب، والأهم، تفقد البوصلة الأخلاقية التي طالما مثلتها المرأة في صفوف المقاتلين، تلك البوصلة التي تذكر دائماً بأن الغاية هي حماية الإنسان لا السيطرة عليه.
إن مواجهة الذهنية الذكورية لا تعني صراعاً مع الرجل، بل تعني تحرير الإنسان، رجلاً كان أم امرأة، من مفاهيم الهيمنة والاستعباد.
أما التقاليد، فعلينا أن نمتلك شجاعة التمييز بين ما هو حي وما هو ميت فيها، فالتقاليد التي تحترم الإنسان وتكرس القيم النبيلة هي جزء من هويتنا، أما تلك التي تقيد المرأة وتمنعها من الدفاع عن وطنها والمشاركة في صنع قراره، فهي تقاليد بالية ماتت روحها أمام تضحيات آلاف الشهيدات.
إن السلام الذي ننشده ليس مجرد غياب للحرب، بل هو حضور للعدالة، ولا يمكن تحقيق العدالة في مجتمع تقصى فيه المرأة عن مراكز القرار أو تمنع من المشاركة في حمايته.
إننا اليوم أمام مسؤولية تاريخية، فإما أن نكون أوفياء لتضحيات آلاف الشهيدات اللواتي رسمن بدمائهن ملامح هذا الطريق، وحررن مدناً وقرى من طغيان الإرهاب، وأعدن للإنسان السوري أمله في الحياة الحرة الكريمة، أو أن نسمح بإعادة إنتاج الذهنية نفسها التي حاولت تهميشهن وإخفاء أثرهن.
إن الانحناء لأرواح الشهيدات لا يكفي، بل يجب أن يتحول إلى موقف إلى فعل، إلى إصرار على أن تبقى المرأة في موقعها الطبيعي شريكة كاملة في الدفاع وفي بناء مستقبل سوريا الجديدة.
إن أعظم انتصار حققته المرأة لم يكن فقط في تحرير الأرض، بل في تحرير الوعي، وأعظم معركة نخوضها اليوم هي تثبيت هذا الوعي كحقيقة لا يمكن التراجع عنها.
فلنواصل هذا الطريق بطموح لا ينكسر، وبإيمان لا يتزعزع، وبإرادة ترى في حرية المرأة حرية للحياة بأكملها، وفي حضورها الكامل في الجيش والمؤسسات المدنية وفي كل مفاصل الوطن ضماناً لسوريا مدنية ديمقراطية منتصرة على الظلام.