المحكمة الجنائية الدولية تحذر من تكرار سيناريو دارفور في مدينة الأُبيض

دقت المحكمة الجنائية الدولية ناقوس الخطر بشأن تطورات الأوضاع في مدينة الأُبيض بولاية شمال كردفان، محذرة من أن المدينة قد تشهد جرائم دولية مماثلة لتلك التي ارتُكبت في إقليم دارفور قبل عقدين.

مركز الأخبار ـ دعت المحكمة الجنائية الدولية ومجلس الأمن والدول الأعضاء إلى التحرك الفوري لمنع وقوع مزيد من الفظائع في السودان، في ظل استمرار التصعيد العسكري وتفاقم معاناة المدنيين.

حذرت المحكمة الجنائية الدولية من احتمال تكرار الانتهاكات الجسيمة التي شهدها إقليم دارفور في السودان، قبل أكثر من عقدين في مدينة الأُبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، مؤكدة أن المؤشرات الحالية تنذر بإمكانية وقوع "أخطر الجرائم الدولية" إذا لم يتحرك المجتمع الدولي بشكل عاجل لاحتواء الوضع.

وجاء التحذير على لسان نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، نزهت شميم خان، خلال إحاطتها الدورية أمام مجلس الأمن الدولي أمس الأربعاء 15 تموز/يوليو، بشأن تطورات التحقيقات المتعلقة بإقليم دارفور، الذي أحاله المجلس إلى المحكمة الجنائية الدولية عام 2005 للنظر في الجرائم المرتكبة هناك.

وأكدت نزهت شميم خان أن مكتب الادعاء يتفق مع تقييم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بشأن خطورة الأوضاع في مدينة الأُبيّض، قائلة إن "أخطر الجرائم الدولية قد تكون على وشك الوقوع"، مضيفة "لا يمكننا أن نقول إننا لم نكن نعلم"، في إشارة إلى مسؤولية المجتمع الدولي عن اتخاذ إجراءات استباقية لمنع وقوع انتهاكات واسعة النطاق بحق المدنيين.

وأوضحت المسؤولة الدولية أنها زارت مؤخراً مخيمات اللاجئين في شرق تشاد، حيث التقت نازحين فروا من إقليم دارفور واستمعت إلى شهادات مباشرة حول الانتهاكات التي تعرضوا لها، والتي شملت القتل والاغتصاب وأعمال العنف المنهجية ضد المدنيين.

وقالت إن اللاجئين الذين التقتهم عبروا عن شعور عميق باليأس، مؤكدين أن المجتمع الدولي تجاهل معاناتهم، وأن حياتهم لم تحظَ بالاهتمام الكافي رغم حجم الانتهاكات التي تعرضوا لها. وأضافت أن العديد من الشهادات تضمنت روايات لأشخاص شهدوا مقتل أفراد من عائلاتهم أو تعرض أمهاتهم للاغتصاب أمام أعينهم، فضلاً عن تعرض أطفال لاعتداءات متكررة تركت آثاراً نفسية عميقة لا تزال مستمرة حتى اليوم.

وأشارت إلى أن الشهادات التي جمعها مكتب الادعاء تعكس النمط ذاته من الجرائم الذي دفع مجلس الأمن إلى إحالة ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية قبل أكثر من عشرين عاماً، مؤكدة أن أساليب الترهيب والإذلال والانتهاكات الواسعة النطاق تتكرر مجدداً، وسط مخاوف متزايدة لدى السكان من أن تكون المرحلة المقبلة أكثر دموية.

ودعت نائبة المدعي العام مجلس الأمن والدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى اتخاذ خطوات عملية وسريعة لمنع وقوع المزيد من الفظائع، مؤكدة أن مسؤولية حماية المدنيين ومنع الجرائم الجماعية تقع على عاتق المجتمع الدولي.

وفيما يتعلق بسير التحقيقات، أوضحت نزهت شميم خان أن مكتب الادعاء يواصل العمل بوتيرة متسارعة لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة في مدينة الفاشر خلال عام 2025، إلى جانب الجرائم التي تعود إلى أكثر من عقدين، والتي قالت إن آثارها لا تزال تؤجج دوامة العنف وسفك الدماء في السودان.

وأضافت أن التحقيقات شهدت خلال الأشهر الأخيرة تقدماً وصفته بـ "الملموس"، شمل إجراء مقابلات مع شهود رئيسيين ساعدت إفاداتهم في ربط عدد من الجرائم بشكل مباشر بالمسؤولين عنها، معتبرة أن ذلك يمثل تطوراً مهماً في مسار المساءلة الدولية ويوجه رسالة واضحة إلى كل من يخطط أو ينفذ أو يدعم ارتكاب الانتهاكات بأن الإفلات من العقاب لن يستمر.

وتأتي هذه التحذيرات في ظل استمرار التصعيد العسكري في ولاية شمال كردفان، حيث تتعرض مدينة الأُبيّض منذ أسابيع لهجمات بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت مدنية وحيوية، من بينها محطة الكهرباء الرئيسية ومحطات الوقود، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى وإلحاق أضرار بالبنية التحتية.

وكانت الأمم المتحدة قد حذرت في أيار/مايو الماضي من تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة في إقليم كردفان، مشيرة إلى أن تلك الهجمات تسببت في مقتل ما لا يقل عن 880 مدنياً خلال الفترة الممتدة بين كانون الثاني/يناير ونيسان/أبريل 2026.

وفي تطور ميداني متصل، أعلنت لجنة أمن مدينة الدبة أن قوات الدعم السريع استهدفت محطة الكهرباء التحويلية في المدينة بطائرات مسيّرة، ما أدى إلى اندلاع حريق وإصابة أحد أفراد الحراسة بجروح طفيفة، إضافة إلى انقطاع التيار الكهربائي عن مناطق واسعة. ووصفت اللجنة الهجوم بأنه يأتي ضمن استهداف متكرر للأعيان المدنية والخدمات الأساسية.

ويشهد السودان منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في نيسان/أبريل 2023 أزمة إنسانية متفاقمة، إذ أسفرت المعارك، وفق تقديرات محلية ودولية، عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح نحو 13 مليون شخص، وسط استمرار المخاوف من اتساع رقعة الانتهاكات وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين.