الأول من أيار… بين ذاكرة النضال العمالي وريادة المرأة في روج آفا
أكدت نساء روج آفا اللواتي تستقبلن يوم العمال العالمي الذي يصادف الأول من أيار/مايو، أن فلسفة الحرية التي تبنّاها المجتمع أعادت للمرأة دورها الطبيعي، وجعلتها في مقدمة الثورة، لتصبح مثالاً للقوة والإلهام على مستوى العالم.
سارة عكيد ـ أسماء محمد
قامشلو ـ يُعدّ الأول من أيار/مايو رمزاً عالمياً لنضال العمال، وقد اعتمدته الأممية الثانية عام 1889 عيداً للتضامن العمالي. ومنذ ذلك الحين، يخرج ملايين العمال في عشرات الدول في مسيرات واحتجاجات تطالب بالحقوق الأساسية التي ما زال كثير منهم محرومين منها حتى اليوم.
يرتبط هذا اليوم بحادثة هايماركت في شيكاغو عام 1886، حين خرج العمال للمطالبة بيوم عمل من 8 ساعات بدلاً من 14 ساعة. الهجوم على العمال، ثم انفجار القنبلة في ساحة هايماركت، وما تلاه من إعدامات بحق قادة الحركة، حوّل تلك الحادثة إلى رمز عالمي للتضحية، وأسس لاعتماد الأول من أيار عيداً للعمال.
وكان الشعار الذي وحّد العمال حول العالم بسيطاً وواضحاً "8 ساعات للعمل، 8 ساعات للراحة، 8 ساعات للنوم"، لكن هذا الشعار واجه قمعاً شديداً، إذ قُتل وأصيب عشرات العمال خلال الاحتجاجات، ما جعل من نضالهم نقطة تحول في تاريخ الحقوق العمالية.
وفي عالم لم يعترف للنساء بمكانة حقيقية، قدّمت روج آفا نموذجاً مختلفاً. فلسفة الحرية التي تبنّاها المجتمع هناك أعادت للمرأة دورها الطبيعي، وجعلتها في مقدمة الثورة. فأصبحت المرأة الكردية رمزاً للقوة والمقاومة، ومصدر إلهام لنساء العالم.
"العوائق تأتي من القوى السلطوية"

وبالتطرق إلى اليوم العالمي للعمال، هنّأت الرئيسة المشتركة لحركة المجتمع الديمقراطي (TEV-DEM) رمزية محمد القائد عبد الله أوجلان وجميع النساء العاملات بمناسبة عيد العمال العالمي، اليوم الذي خرج فيه العمال للمطالبة بحقوقهم الأساسية، وفي مقدمتها الحق في العمل والعيش الكريم، وبدأوا بإدراك دورهم.
وأشارت إلى أن العمال "لم يطالبوا سوى بالعدالة، ومن أجل ذلك خرجوا في مسيرات وفعاليات متنوعة"، لافتةً إلى أنه هناك العديد من الأيام العالمية، مثل يوم العمال ويوم المرأة ويوم الأم، إلا أن القوى السلطوية وضعت الكثير من العقبات أمام الشعوب لمنعها من نيل حقوقها.
"لقد بنى النظام والدولة نفسيهما على استغلال جهد الإنسان"
إنّ النظام الرأسمالي الذي شُيّد دائماً وعلى الدوام على كدح البشرية، لم يترك للمجتمع شيئاً. فقد وضع كل شيء تحت خدمته، ووسّع سلطته ونفوذه. هذا النظام السلطوي حوّل نفسه إلى قوة تدفع العالم نحو الحروب، وكلما ازداد أرباحاً، قلّل من حقوق الموظفين والعمّال، وجعل العمل بلا حدود.
كما لفتت رمزية محمد الانتباه إلى وضع الشعوب في الدول الغنية، وأوضحت أنّه مهما كانت الدولة ثرية، فإنّ نسبة الفقر فيها تكون مرتفعة، لأن تلك الدولة بنت ثروتها على استغلال الإنسان "لقد بنى النظام والدولة نفسيهما على سرقة جهد الإنسان. ولهذا السبب، يخرج العمال كل عام وفي كل وقت إلى الساحات في نشاطات ومسيرات واسعة للمطالبة بحقوقهم الأساسية".
"التنظيم يعني وحدة الشعب"
وأوضحت رمزية محمد أنّه في روج آفا جرى خوض مقاومة لا مثيل لها، وبفضل هذه المقاومة استطاع الشعب أن يتحرر من هيمنة نظام البعث "شعب روج آفا أطلق ثورة، وشارك فيها المجتمع بأكمله. لم يكن هدف الثورة فقط القتال ضد نظام البعث وداعش، بل كان الهدف أيضاً تنظيم المجتمع. فمعنى التنظيم هو وحدة الشعب وفهم حقيقة الوجود. ربما تم إنشاء مؤسسات، لكن كل فرد داخل هذه المؤسسات كان يمتلك دوراً ومشروعاً".
وأضافت "في النظام الرأسمالي لا يوجد شيء باسم الحركات المجتمعية أو منظمة تُمكّن المجتمع من المطالبة بحقوقه. الموجود هو الرئيس والموظفون فقط. ولكي يبقى الإنسان محتاجاً للنظام، تُرفع قيمة المال دائماً، ويُقاس جهد الإنسان بكمية المال. أما المجتمع الديمقراطي فيُبنى على الاتحادات الموجودة".
وبهذه المقاربة أوضحت أنّه داخل حركة المجتمع الديمقراطي تم تنظيم العديد من الاتحادات، مشيرةً إلى أنه بسبب هيمنة نظام البعث لم تُبنَ في روج آفا أي بنية اقتصادية قوية تخدم المجتمع "لهذا السبب فإنّ جميع أبناء المنطقة عمّال، ولكي يصل الشعب إلى حقوقه المشروعة، خاض نضالاً واسعاً في كل مكان وداخل كل مؤسسة".
"نظام الرئاسة المشتركة أسّس حالة من التنسيق"
وأوضحت رمزية محمد أن النضال الذي يجري هو من أجل العدالة والمساواة وحرية المرأة والمجتمع "تُعدّ حركة المجتمع الديمقراطي (TEV-DEM) بمثابة الإطار الجامع لكل المؤسسات والتنظيمات في روج آفا. ليس الرجال وحدهم من يعملون، بل النساء أيضاً يعملن ويقدمن الجهد، ونظام الرئاسة المشتركة هو الأساس الذي تُبنى عليه كل الأعمال والنشاطات. وبفضله استطاعت المرأة أن تمتلك رؤيتها، وأن تتخذ القرارات وتشارك في القضايا المصيرية".
وأضافت "كما استطاعت المرأة أن تمثّل إرادتها، وأن تناقش، وتبني منظومتها، وتنظّم نفسها، وتتخذ القرارات اللازمة. ولكي تُدار الأعمال المشتركة بين الرئاسة المشتركة، وكذلك مع جميع أعضاء المؤسسات، يجب أن يكون العمل ضمن حالة من التنسيق".
"المرأة هي العاملة التي لا تُعطى حقها"
وشدّدت رمزية محمد على أنّ العدالة والمساواة هما ما يبنيان الحياة المشتركة، ولذلك يُبذل دائماً جهد لحماية حقوق العمال ومنع استغلالهم، لأن أصحاب السلطة في العالم لم يتركوا أي شيء باسم العدالة. لقد فرضوا هيمنتهم على المجتمع، وهذه الهيمنة انعكست أيضاً على النساء. فالمرأة عاملة بلا حقوق؛ حيث تعتني بأطفالها، وتربّيهم، وتُعدّهم للمجتمع، ومع ذلك لا تطالب بحقها أبداً. إن جهد المرأة داخل الأسرة لا يُرى ولا يُعترف به، لأن هذا الأمر فُرض على العائلة من قبل النظام السلطوي.
"ثورة النساء ألهمت جميع نساء العالم"
وذكّرت رمزية محمد بأنّ نظام البعث لم يعترف يوماً بالأول من أيار/مايو لنأي الشعب عن المطالبة بحقوقه "لكن بفضل نضال الشعب في روج آفا، وكذلك ثورة المرأة، انهار نظام البعث. لقد أصبحت هذه ثورة مثالاً وإلهاماً لنساء العالم أجمع. حيث نظمن أنفسهن في كل الساحات والمجالات، وأظهرن إرادتهن، ومثّلن المجتمع الديمقراطي".
وأكدت على أن معظم المكاسب التي حققتها ثورة روج آفا كانت بفضل جهد النساء وعملهن "لو لم تكن المرأة صاحبة دور وقوة كبيرة في ثورة روج آفا، لما تمكنت هذه الثورة من تحقيق النجاح، ولكان نظام البعث قد أفرغها من مضمونها خلال فترة قصيرة".
وأكثر ما يلفت الانتباه هو أنّ المرأة خطت خطوات كبيرة في مجال الحماية كما أوضحت رمزية محمد، فقد بدأت النساء من شوارعهن وقراهن، فدافعن ثم وسّعن نطاق الدفاع حتى شمل المنطقة بأكمله.
وتشير إلى الوضع في سوريا، موضحة أن وجود حكومة مؤقتة لا يغيّر من حقيقة أن بدايات المرحلة كانت قائمة على العنف ضد الشعب والنساء والمجتمع "القوانين التي تعتمدها هذه الحكومة اليوم ما زالت عاجزة عن الاعتراف بحقوق النساء أو حمايتها"، في إشارة إلى استمرار التحديات التي تواجهها المرأة في نيل حقوقها الأساسية.
"يخشون عدالة النساء"
وأكدت رمزية محمد أن أي مكان تُقصى فيه المرأة عن العدالة هو مكان يخلو من العدالة أصلاً "إذا لم تكن المرأة جزءاً من العمل القضائي، فكيف يمكن للعدالة أن تتحقق داخل المجتمع؟ لقد قررت الحكومة المؤقتة أن المرأة لا يمكنها تولّي موقع في القضاء، فلا يُسمح لها بأن تكون قاضية أو محامية. هذه الهجمات تستهدف رؤية المرأة وإرادتها. الأنظمة القومية ـ المركزية لا تريد المساواة ولا العدالة ولا الديمقراطية، بل تريد دائماً التحكم بالعالم بقبضة واحدة".
وأشارت في ختام حديثها إلى أن الحكومة المؤقتة تنظر بعين العداء إلى وحدات حماية المرأة (YPJ) وإلى مشروع الإدارة الذاتية، وترفض نظام الرئاسة المشتركة "إن جهد النساء في الثورة يُواجَه بالتجاهل، لأن أول خطوة في هذه الثورة كانت خطوة نسائية، وما زالت المرأة حتى اليوم تقود النضال. لذلك سنواصل حماية مكتسباتنا، وتطوير مواقفنا، لنتمكن من لعب دور ريادي في بناء سوريا جديدة: ديمقراطية، خالية من الحرب والدمار والمجازر. وكما يعمل المجتمع بتشاركية في كل مجالاته، يجب أن تنعكس هذه التشاركية أيضاً في بنية النظام الجديد".
قادت النساء المجتمع في كل المجالات

من جهة أخرى، سلّطت رودين عيسى عضوة لجنة الاقتصاد في مؤتمر ستار بمدينة قامشلو، الضوء على دور النساء في مسيرة الحرية. واستهلّت حديثها بتهنئة القائد عبد الله أوجلان ونساء العالم بمناسبة الأول من أيار/مايو، مشيرةً إلى أن النساء ناضلن بإصرار من أجل انتزاع حريتهن، مذكّرة بأن النساء في مختلف أنحاء العالم خرجن في إضرابات طويلة، لكن النظام الذكوري المهيمن لم يسمح لهن بالحصول على حقوقهن.
وأكدت أن النساء لم يلتزمن الصمت، بل وسّعن نطاق مقاومتهم "لعبت النساء دوراً كبيراً، وقُدن أنفسهن ومجتمعهن في كل المجالات".
"بدهاءٍ ذكوريّ تم سحق جهد النساء"
وأوضحت رودين عيسى أن الرجال عبر تاريخ طويل من الهيمنة، عملوا باستمرار على التقليل من قيمة جهد النساء، قائلة إنهم "بدهاءٍ يقوم على ثقافة العار، سحقوا عمل النساء وسرقوا ثمار إنجازاتهن. كل ما أبدعته المرأة بيديها المقدستين جرى انتزاعه منها بلا تردد".
وبيّنت أن النساء في ثورة روج آفا، وبفضل فلسفة "Jin Jiyan Azadî"، استطعن كسر القيود وتحقيق خطوات مفصلية غيّرت مسار التاريخ، وأن تأثير هذه الثورة تجاوز حدود المنطقة ليصبح إرثاً عالمياً تستلهم منه نساء العالم قوةً وإصراراً.
ولفتت إلى أن المرأة التي كانت على الدوام خالقة الحياة وعماد المجتمع، جرى تجريدها من كل حقوقها، حتى تحوّلت في نظر الأنظمة الذكورية إلى سلعة أو عاملة بلا حقوق تُرهقها ساعات العمل الطويلة، وترى أن غياب القوانين التي تحمي النساء جعل قضاياهن في معظم الثورات تُدفع إلى الصفوف الخلفية، رغم أنهن كنّ في مقدمة النضال، مؤكدةً أن المرأة اليوم لم تعد ذلك الصوت المُهمَّش، بل أصبحت قوة حاضرة ومؤثرة على المستوى الدولي، تفرض وجودها وتعيد صياغة موقعها في العالم.
"النساء عدن إلى ثقافتهن بجهدهن ونضالهن"
وذكرت رودين عيسى أن نساء روج آفا، بجهدهن ومقاومتهن غير المسبوقة، استطعن العودة إلى ثقافتهن الأصيلة "لم يكن الأمر مجرد زراعة أو جمع محاصيل، بل إعادة بناء العلاقة بين المرأة والطبيعة. هذه العلاقة ليست جديدة ولا وليدة القرن الحادي والعشرين، بل كانت موجودة منذ القدم، لكن النظام الأبوي مزّقها. ومن حيث حاولوا إقصاءنا كنساء، بدأنا من جديد. وعلى هذا الأساس، تولّت النساء قيادة أنفسهن ورفضن أن يكنّ تابعات لأي جهة".
"بالعقيدة والمعرفة نقود أنفسنا"
وسلّطت الضوء على أهمية التعليم والمعرفة "المرأة ليست بحاجة لأحد. نحن نقود حياتنا بالعقيدة والمعرفة، نوسّع عملنا ونضالنا، ونعرف جيداً كيف نشجّع النساء الأخريات على المشاركة".
وتوقفت عند السياسات التي تتبعها الحكومة المؤقتة في سوريا ضد النساء "الحكومة المؤقتة تسحق حقوق النساء بالكامل، وتحاول سلب المكاسب التي تحققت خلال سنوات الثورة. يريدون للمرأة أن تعود إلى المنزل وأن تصمت. لكن المرأة اليوم، بقوتها وتنظيمها، تتحرك في كل المجالات: الاجتماعية، الاقتصادية، السياسية، وحتى العسكرية".
ثورة روج آفا مصدر قوة ومقاومة
وأشارت المتحدثتان رمزية محمد ورودين عيسى إلى أن تجربة النساء خلال خمسة عشر عاماً من ثورة روج آفا أصبحت مرجعاً عالمياً للقوة والمقاومة. وأكدتا أن هذه التجربة يمكن تطويرها أكثر عبر التعليم والتنظيم وتوسيع نشاطات النساء. وأن النضال ضد النظام الرأسمالي لا يمكن اختزاله في يوم واحد مثل الأول من أيار، بل يجب أن يكون نضالاً يومياً "كل يوم يجب أن يكون يوم المرأة، ويوم الشباب، ويوم العمال، ويوم كل من يناضل من أجل الحرية".