أفغانيات تحت التهديد... الزواج القسري كوجه آخر للقمع
تشير تقارير عديدة من ولايات مختلفة في أفغانستان إلى أن عدداً من النساء والفتيات، ولا سيما المتعلمات منهن، تعرضن للتهديد والاعتقال والتعذيب ومختلف أشكال الضغط لإجبارهن على الزواج من عناصر في حركة طالبان.
بهاران لهيب
كابول ـ منذ عودة طالبان إلى السلطة، تواترت تقارير من ولايات أفغانية مختلفة تفيد بأن عدداً من عناصر الحركة يسعون إلى الزواج من نساء متعلمات، وغالباً ما يتم اختيارهن زوجات ثانية أو ثالثة أو رابعة، وتقول النساء الأفغانيات بمرارة وسخرية أن "طالبان منعت تعليم الفتيات، لكنها في الوقت نفسه تُجبر المتعلمات، عبر التهديد والإكراه، على الزواج من عناصرها أو من أقاربهم".
بالنظر إلى القرى أو إلى ما يُتداول عبر وسائل التواصل الافتراضي، تظهر روايات كثيرة عن إجبار النساء على الزواج من عناصر طالبان، ومن أبرز هذه الحالات قصة "عابدة"، الشابة البالغة من العمر 20 عاماً من ولاية غور، التي أضرمت النار في نفسها في 27 نيسان/أبريل 2025 هرباً من زواج قسري من شقيق أحد قادة طالبان، لتفارق الحياة متأثرة بجراحها.
ومن بين الحالات الصادمة أيضاً، شهادة إلهة دلاور زاده، ابنة أحد قادة الحكومة السابقة، وطالبة السنة الثانية في كلية الطب، وإحدى النساء المشاركات في الاحتجاجات، ففي مقطع فيديو نشرته في الخامس من تموز/يوليو 2023، قالت إن "سعيد خوستي"، أحد مسؤولي طالبان، اغتصبها أثناء احتجازها ثم أجبرها على الزواج منه، وبعد فرارها إلى باكستان، أعادتها السلطات الباكستانية إلى طالبان، حيث قضت خمسة أشهر في السجن تعرضت خلالها للتعذيب، قبل أن يفرج عنها بعد دفع مبلغ مالي كبير، لتلجأ لاحقاً إلى إحدى الدول الأوروبية.
وفي حالة أخرى، لا تزال بي بي صديقة، وهي شابة من قضاء بالا مرغاب في ولاية بادغيس، تقبع في السجن منذ أكثر من عامين بسبب رفضها الزواج من أحد عناصر طالبان، وهو رجل يبلغ من العمر 70 عاماً يُدعى خداي نظر، ولديه ثلاث زوجات أخريات، وبحسب مصادر محلية، خُيرت بين الزواج أو السجن، فاختارت السجن على الزواج القسري.
وفي الثامن من أيار/مايو 2026، قُتلت جيمن حسين زاده وسارة يوسفي، البالغة من العمر 15 عاماً، في قضاء كوهستانات بولاية سربل، وتفيد المعلومات بأن جيمن، وهي كردية الأصل من مدينة بوكان في شرق كردستان، كانت قد تزوجت من رجل أفغاني قبل نحو عشرين عاماً وانتقلت للعيش في أفغانستان، حيث كانت تُعرف بين السكان باسم "بي بي جمن كل"، ووفقاً للشهود، طلب المفتي محمد الله، المسؤول في إدارة الحج والأوقاف التابعة لطالبان في الولاية، الزواج من سارة، لكن بعد رفضها ورفض والدتها، أقدم على قتلهما بالرصاص.
ومن المرجح أن مئات النساء والفتيات الأخريات أُجبرن على الزواج من عناصر طالبان، إلا أن قصصهن لم تصل إلى وسائل الإعلام، ومعاناتهن لا تقل عن معاناة إلهة، وعابدة، وجيمن، وسارة، أو صديقة.
وفي 23 حزيران/يونيو 2026، قُتلت الطبيبة غلالي داخل منزلها في قضاء سرخرود بولاية ننغرهار، وكما في العديد من القضايا المشابهة، وصفت طالبان الجريمة بأنها غامضة، مدعيةً أن مسلحين اقتحموا المنزل ليلاً وعذبوها ثم خنقوها حتى الموت، كما تعرض والدها لكسر في يده أثناء الهجوم.
إلا أن شهوداً محليين قدموا رواية مختلفة، مؤكدين أن غلالي، التي كانت تعمل في إحدى العيادات الحكومية، اشتكت مراراً من مضايقات وعروض زواج غير لائقة من عناصر طالبان، وكانت ترفضها باستمرار، وأفاد أحد أفراد عائلتها بأن أحد قادة طالبان تقدم لخطبتها عبر رسالة صوتية قبل أيام من مقتلها، وعندما رفضت، هاجم منزلها ليلاً.
وكما حدث في قضايا قتل نساء أخرى، أجبرت طالبان والد غلالي على الاعتراف بأن الجريمة كانت نتيجة عداوة شخصية، ويقول شهود إن والدها، الذي كان يعمل بائعاً متجولاً للفواكه، يعاني منذ ذلك الحين من اضطرابات نفسية حادة.
وخلال إعداد هذا التقرير، أُجريت وكالتنا مقابلات مع طبيبتين تعملان في مستشفيين مختلفين في كابول وسربل، وأكدتا أن الطبيبات يتعرضن لضغوط متكررة لإجبارهن على الزواج من عناصر طالبان العاملين في المستشفيات.
شهادات تكشف عن انتهاكات طالبان ضد النساء
وقالت رنا ولي، وهي طبيبة في أحد مستشفيات كابول "شهدت بنفسي مسؤولاً في طالبان يشرف على عمل الأطباء وهو يُجبر إحدى زميلاتي الشابات على الزواج منه، لتصبح زوجته الرابعة".
وأضافت "كانت زميلتي شريفة صدقي فتاة مليئة بالحيوية والطموح، لكنها تحولت فجأة إلى شخص منطوٍ وصامت، وعندما سألنا والدتها، التي تعمل عاملة نظافة في المستشفى نفسه، أخبرتنا وهي تبكي أن مسؤول طالبان هدد بقتل ابنها إذا لم توافق العائلة على تزويج ابنتها له، لذلك اضطروا إلى القبول".
وبينت أن والدة شريفة فقدت زوجها خلال فترة حكم طالبان الأولى، وربّت طفليها بمشقة حتى أكملا تعليمهما، لكنها اضطرت في النهاية إلى الموافقة على هذا الزواج لإنقاذ حياة ابنها "يقال إن هذا العنصر في طالبان لديه أربع زوجات أخريات".
من جانبها، قالت الطبيبة ذكية رحماني، التي كانت تعمل سابقاً في مستشفى ولاية سربل، إنها اضطرت إلى ترك عملها والفرار من الولاية بسبب تهديدات طالبان "رغم أنني مخطوبة وكان من المقرر أن أغادر بعد أيام إلى لندن للالتحاق بخطيبي، فإن أحد قادة طالبان أرسل لطلب يدي. أخبرته عائلتي أنني مخطوبة، لكنه رفض ذلك، وقال إن خطيبي ليس هنا ولا ينبغي لي انتظاره".
وأشارت إلى أنه "بعد التهديدات المتكررة، اضطررت إلى مغادرة عملي ومنزلي واللجوء إلى كابول، والآن قررت أنا ووالداي وشقيقاي الأصغر سناً مغادرة أفغانستان، لأنني أخشى أن يعثر عليّ حتى هنا".
والواقع أن النساء في أفغانستان لا تعانين فقط من الحرمان من التعليم والعمل، بل تواجهن يومياً خطر الاعتقال بتهمة "سوء ارتداء الحجاب"، والجلد العلني، والزواج القسري، والعنف، وأشكالاً متعددة أخرى من القمع، ووفقاً لناشطين في مجال حقوق الإنسان، فإن النساء الأفغانيات يعشن اليوم تحت وطأة نظام قائم على التمييز والعنف البنيوي، وتواجهن أشكالاً متداخلة ومتعددة من الاضطهاد.