معرض "إنتوس" رحلة بصرية تترجم مشاعر شابات عدن

تحتضن مدينة عدن ختام معرض "إنتوس" الفني الذي جسد مخرجات ورشة عمل للصحة النفسية، محولاً مشاعر الشابات والطفلات إلى لوحات إبداعية تنبض بالجمال والإنسانية.

فاطمة رشاد

عدن ـ حين تصمت الكلمات وتعجز الأبجديات عن احتواء صخب الدواخل، يأتي الفن ليفتح طاقة نور نحو العوالم الخفية في حكاية تنبض بالجمال والإنسانية، احتضنت مدينة عدن، أمس السبت 31 تشرين الأول/أكتوبر، ختام فعاليات معرض "إنتوس" الفني الذي نظمته مؤسسة "حواء" للتنمية الثقافية بالشراكة مع نادي "نفَس" ومؤسسة جدارية للتنمية الثقافية والإعلام في مساحة جسر.

على مدار يومين، لم يكن الزائر لمعرض "إنتوس" مجرد متلق عابر، بل كان مسافراً في رحلة تأملية عميقة تأخذه إلى ما وراء الصورة، حيث تتجسد المشاعر الإنسانية صرخات ألوان ولوحات تنبض بالحياة.

 

حين تصبح اللوحة مرآة للذات

على ضفاف أصالة عدن وعراقتها، ولدت فكرة المعرض كخلاصة لورشة عمل متخصصة أقيمت احتفاءً بـ اليوم العالمي للصحة النفسية، لتقدم مساحة آمنة للشابات للتعبير عن مكنوناتهن عبر الريشة واللون والكولاج.

وفي هذا الإطار، عبرت نادين عبد القادر، رئيسة مؤسسة "حواء" الثقافية، عن هذه التجربة الفريدة قائلة "حاولنا توفير مساحة للتنفيس عن مكنونات الشابات. اللوحات التي نراها اليوم لم تأتِ من فراغ، بل كانت مخرجاً نقدر جهود كل من شاركت وقدمت عملاً فنياً يعبر عن مكونها النفسي. مؤسسة حواء تؤمن أن الفن هو الركيزة الأساسية، ونحن نسعى إلى منح الشابات مساحة تحتوي كل الفنون، كما نعرف أن عدن هي أساس الفن والثقافة".

 

فلسفة الكلمة واللون

لم يكن الفتيات المشاركات بهذا المعرض العفوي يدركن إن لهذا التفريغ سيكون معرضاً يحاكي لحظات شعورية عشنها أثناء عملية التفريغ النفسي العفوي فمن عتمة الضغوط إلى إشراقة الجمال هذا بحد ذاته يحمل دلالة عميقة فكلمة "إنتوس" لاتينية الأصل وتعني "من الداخل".

هذا المعنى ترجمته ببراعة أفنان فريد، إحدى مؤسِسات نادي نفَس، إذ توضح قائلة "نادي نفَس هو نادي فني رياضي نفسي مختص بالنساء، نتخذ وسائل لأجل أن تفرغ النساء الضغوطات التي عليهن من الحياة اليومية... عملنا ورشة عمل مختصة بالرسم والكولاج فكنا نتكلم عن المشاعر بطرق فنية مقننة، بحيث نعكس مشاعرنا بطرق مدروسة. وبعدما انتهينا من الورشة وجدنا قطعاً فنية أمامنا، قلنا لماذا لا نعملها معرضاً فنياً نعرض ما عشناه؟... كيف نعكس مشاعرنا من الداخل من خلال الألوان والتجميعات، ومن مشاعر سلبية كانت تضايقنا أو إيجابية تلامسنا، لتصوير لوحة جمالية من مشاعرنا هذه".

 

شهادات حية من رحاب المعرض

تجاوز المعرض حدود كونه مساحة عرض فنية عادية، ليتحول إلى حالة شعورية جماعية لامست قلوب الحاضرين والزوار على حد سواء.

اكتشاف المبدع الكامن والتي تؤكد عليه الإعلامية والمصورة بشرى نصير، إحدى حاضرات الورشة والمعرض، قائلة "هذا المعرض جمع أسماء فتيات وصاحبات الحرف اليدوية اللواتي أبدعن في أعمالهن. استطعن أن يقدمن مشاعرهن من خلال الفن، لأنه هناك من لا يستطيع أن يعبر عن مشاعره، ومن خلال هذه الأعمال اكتشفنا أن الإنسان بداخله مبدع يستطيع أن يعبر عن نفسه بالفن الجميل".

أما الزائرة رحى غسان، فقد غمرتها حالة من الدهشة منذ لحظة دخولها قاعة العرض، مشيدةً بالأعمال التي لم تكن مجرد رسومات، بل نافذة أخذتها إلى عالم آخر من اكتشاف الروح والجمال.

 

براءة البوح

وفي ركن التفريغ بالرسم، كانت الطفلة جمانة رامي تقف بملامح هادئة، تسكب عوالمها الداخلية على الورق رسماً للزهور ومنظراً لسكون الليل وجمال القمر، لتثبت أن الفن يتجاوز الأعمار حين يتعلق الأمر بالصدق الداخلي.

استطاعت مؤسسة "حواء" الثقافية ونادي "نفَس" أن ينسجا من خيوط المشاعر الإنسانية سواء كانت ثقيلة أو مبهجة، لوحةً متكاملة الجمال جذبت قلوب الزائرين طوال يومين.

لم تكن اللوحات المعلقة سوى حوارية راقية بين الجمال والمشاعر، حيث أثبت معرض "إنتوس" أن الفن قادر دائماً على أن يجعل الداخل يبوح بما وراء الصورة، ليقترب الإنسان خطوة إضافية نحو ذاته الحقيقية.