الأعمال اليدوية... فن وظفته المرأة لإبراز إبداعها

تعد الأعمال اليدوية من الفنون التطبيقية التي تتضمن فكرة عملها مهارة اليد واستعمال الخامات المتنوعة، والعمل عليها يرفع من شأن الوسائل البسيطة المستخدمة ولا يعطي أهمية للآلة.

يسرى الأحمد

الرقة ـ تُعرف النساء بحافظهن على الفنون بمختلف أشكالها وتوريثها للأجيال القادم، منها الأعمال اليدوية التي تتعرض للاندثار مع الاستخدام الكثيف للآلة.

أساور وربطات الشعر ورسومات بألوان مختلفة تتفنن جولية أبو زر وخديجة المزعل من مقاطعة الرقة بإقليم شمال وشرق سوريا، في صناعة الأعمال اليدوية رغم سيطرة الحداثة والصناعة الآلية، حيث قالت جولية أبو زر من المكون الأرمني في العقد الرابع من العمر "أتقنت فن الأعمال اليدوية كالخرز والقنويج والتنتنة وصناعة السجاد اليدوي منذ الصغر بمساعدة جدتي ثم علمتها لإحدى بناتي لتساعدني في تأمين مستلزماتنا واحتياجاتنا، وهذا الفن مميز فاخترته لشغفي به وأردت المحافظة عليه، ورغم تطور الصناعات والمعامل إلا أننا كنساء نحاول الحفاظ على وجود الأعمال اليدوية وعدم اندثارها مع الزمن، فقد شهد العصر الكثير من التطورات والتغييرات التي طرأت على الواقع وخاصة بعد طغيان الحداثة الصناعية المختلفة والتكنولوجيا، إلا أنه هنالك الكثير من الطلب عليها نظراً لجماليتها وإتقان تفاصيلها".

وعن بداية عملها في هذا الفن قالت "بداية عملت في المنزل وكان مشروعاً صغيراً يقوم على أدوات بسيطة والأعمال التي أصنعها على حسب طلب فتيات الحي والأقارب اللواتي كن تشترينها مني، وعندما رأيت الإقبال الكبير عليها قررت توسيع مشروعي، لذلك انضممت إلى مركز الهلال الذهبي الذي يعير اهتمام للمهن والمصنوعات اليدوية النسوية ويسعى لتنميتها وتطويرها، فشاركت بالعديد من المعارض والفعاليات المختلفة ولفتت أعمالي الأنظار ونالت إعجاب واهتمام المشاركين".

وعن طريقة صناعة أساور الخرز أوضحت "أولاً يجب معرفة قياس القطعة المراد العمل عليها بحكم اختلاف قياسات اليد من شخص لأخر، بداية أقوم بربط ثلاث خيطان من الحرير وضم إبرة فيهن على دفة خشبية صغيرة ثم اختار لكل خيط لون معين من الخرز بعدها أدمج الألوان بشكل متناوب من خلال إدخال كل إبرة على حدا بشكل متناسق ويتحكم بذلك شكل الرسمة المطلوبة، مع ضرورة التأكد من أن يكون حجم الخرز واحد لكي احافظ على تساوي وتناسق حجم القطعة المطلوبة، وأضع قفل صغير على طرفي القطعة المشغولة".

وحول الأعمال اليدوية التي تقوم بها بينت أنها "أصنع الأساور من حبيبات الخرز الملونة التي تحمل عدة رسومات وأشكال بالإضافة للمسابيح الصغيرة والكبيرة وربطات الشعر ونسج الشالات المصنوعة من خيطان الصوف وتزيينها بحبيبات ناعمة من الخرز، أسعى بشكل مستمر لابتكار رسومات جديدة ومميزة من خلال دمج الألوان المتناسقة مع بعضها البعض، فالأساور بألوانها الجذابة وجمالية رسوماتها تعبر عن رموز وإشارات لها دلالات معينة وخاصة، عملنا يتطلب الصبر والإبداع والتركيز والدقة العالية".

وعن بعض العادات التي يتم المحافظة عليها لدى المكون الأرمني قالت جوليا أبو زر "يجب على الفتاة أن تتقن صناعة الأعمال اليدوية مع بلوغها، كونه يقع على عاتقها صناعة بعض الأشياء التي ستأخذه بعد زواجها، حيث تقوم بعرضها أمام صديقاتها وأقارب الزوج وإهدائهم بعضاً منها".

وأوضحت أبرز الصعوبات التي تواجهها "الجلوس لساعات طويلة وبشكل يومي واستخدام إبرة صغيرة القياس أمران متعبان جداً، فهو يتسبب مع الوقت بأذى للعين والظهر لذلك أخذ استراحة قصيرة بين الحين والأخر، فأنا أصنع أكثر من أسواره واحدة في اليوم وذلك بحسب الرسومات التي أقوم بصناعتها وغالبيتها تحتاج لوقت طويل لإنجازها، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية الصعبة والهبوط الملحوظ بسعر العملة وارتفاع أسعار المواد والأدوات التي احتاجها في عملي، فأغلب المواد التي استخدمتها هي بكرات من خيوط الحرير ونوعان من حبيبات الخرز الخشنة والناعمة التي تسمى النمنم وإبر متفاوتة القياس والحجم حيث تختلف كمية الإبر الداخلة في صناعة القطعة الواحدة وذلك يعود بحسب حجم الرسمة المطلوبة وألوانها، كل هذه المواد باتت أسعارها باهظة في السوق".

وفي ختام حديثها أكدت إنه "يجب على النساء اللواتي لديهن مهن أن تمارسنها وتعملن على تطويرها حتى يتمكن من المحافظة عليها من الاندثار وإيصالها للأجيال القادمة، وأن يكن لهن دور في الحفاظ على الفنون والثقافة، فأنا أشعر بالفخر والاعتزاز كوني أتقنت وحافظت على فن ورثته عن جدتي رغم كل المشقة والتعب".

 

 

أما مصممة الإكسسوار والرسامة خديجة المزعل قالت "منذ نعومة أظافري يجذبني كل ما يتعلق  بالأعمال والمصنوعات والفنون اليدوية، ففي بداية عملي قمت بصنعها في المنزل والتسويق لها عبر شبكة الإنترنت بالإضافة لتجهيز طلبات للعديد من محال الحلي استمر ذلك ثلاث أعوام تقريباً، لكن مع تزايد الإقبال على هذه الأعمال يوماً بعد يوم كان لابد أن أوسع قاعدة عملي ضمن نطاق أكبر لذلك افتتحت مشروعي الخاص وكان عبارة عن محل صغير أمارس فيه موهبتي في الرسم وتصميم الإكسسوار الذي يعتبر شكل آخر من أنواع الفن الإبداعي الذي أوظفه لتجسيد أفكاري على شكل أعمال يدوية مزينة بمهاراتي الفنية والإبداعية".

وعن المواد التي تستخدمها في عملها قالت "هي عبارة عن خيط من مادة السيلكون المطاطي ولاصق حراري وأنواع مختلفة من حبيبات الخرز كاللؤلؤ والألماس والخرز المفرغ وأدوات حديدية خاصة، وأما عن طريقة صنع ربطات الشعر اليدوية، أولاً أحتاج لقطعة قماش من الحرير تكون صغيرة المقاس ثم أخط عليها رسمة معينة ثم أقوم بلصقها على قطعة حديد صغيرة بعدها أزينها بحبيات من الألماس الملون"، مؤكدة أن "ما  يميز الإكسسوارات اليدوية عن الصناعات التجارية الحديثة هو صناعتها بكل احترافية وجودة وإضفاء الحس الفني والذوقي على القطعة والتي تجعلها ذات رونق جميل وجذاب مميز وهو ما يمكن للآلة القيام به".

وأوضحت "أقوم بالرسم على الأكواب المصنوعة من الفخار أو السراميك بعد طلائها باللون المطلوب وكذلك كتابة أسماء وعبارات بخطوط الرسم المختلفة، وأحاول دمج موهبتي بالرسم مع فن الأعمال اليدوية لإعطائه طابع جميل، يساعدني هذا الفن على ملئ وقت فراغي بعمل مفيد كما يعود عليّ وعلى المجتمع بالنفع فمع افتتاح المحل أصبح العمل يسير بشكل أفضل وأسرع خاصة في التواصل مع الزبائن الأمر الذي سهل عليهم اختيار القطع التي يرغبون بها، وأيضاً من منطلق اعتماد المرأة على نفسها وامتهانها أي مهنة سواء في المنزل أو خارجه حتى تحقق اكتفاءها الذاتي".

وحول فرص العمل التي وفرها مشروعها  للعديد من النساء بينت "أقمت دورات تدريبة للعديد من الفتيات وتمكنن من إتقان  صنع القطعة وإنجازها بكل احترافية ودقة عالية، فنجاح مشروعي دفع  العديد من النساء لافتتاح مشاريع خاصة بهن، وهو الأمر الذي دفعني لافتتاح المزيد من المشاريع التي تديرها المرأة بمفردها فكل خطوة نجاح تخطوها المرأة تعود على تطور المجتمع وازدهاره"، منوهةً لجملة التحديات التي تواجهها "أواجه صعوبة في تأمين بعض المستلزمات والأدوات اللازمة كحبات الخرز المعينة نظراً لعدم توفرها في المنطقة، لذلك أضطر لشرائها من المناطق المجاورة، هذا الأمر يعرقل إنجاز العمل في الوقت المطلوب، ورغم التعب الجسدي العائد لساعات العمل الطويلة لكن بعد الانتهاء من تصميم أي قطعة يتحول هذا التعب لفرح خاصة أني وضعت بصمة مميزة في فن الأعمال اليدوية الأمر الذي يدفعني للاستمرار والتطلع للأفضل".

وأكدت خديجة المزعل أن "المرأة استطاعت الانخراط في عدة مجالات ومهن، كما تمكنت من إدارة وقيادة الكثير من المشاريع بعد القمع الذي تعرضت له والتهميش خلال الحقبة السوداء التي مرت بها مدينة الرقة خلال سيطرة مرتزقة داعش على المدينة إلى جانب إطار العادات والتقاليد الذي رسمه حولها المجتمع".

وفي ختام حديثها حثت النساء على السعي لتطوير ذاتهن وأن تمتهن كل الفرصة المتاحة ولا تسمحن للعادات والتقاليد البالية من تقييدهن ضمن إطار المنزل والعائلة فقط "فهن من حق المرأة أن تثبت ذاتها كما الرجل كونها نصف المجتمع وأنجبت النصف الأخر".