الولادة الطبيعية... رحلة وعي تنقذ صحة الأم والطفل
تعد الولادة مرحلة محورية في حياة المرأة. ومع زيادة العمليات القيصرية، يتجدد النقاش حول أهمية الولادة الطبيعية وتوعية النساء بفوائدها ومخاطرها، ودور الاستعداد المسبق والوعي الصحي في تعزيز ثقتهن بهذا الخيار الطبيعي الآمن.
ديرين رحيم
السليمانية ـ مع الارتفاع الملحوظ في معدلات العمليات القيصرية خلال الآونة الأخيرة، أصبحت توعية النساء بأهمية الولادة الطبيعية ضرورة ملحة، إذ يسهم الاستعداد الجيد والرعاية الصحية المتكاملة في فهم أعمق لمزايا ومخاطر كلا الخيارين، وتأثيرهما المباشر على سلامة الأم والطفل.
تؤكد القابلة أسمر حسن على السعي المستمر لتسهيل تجربة الأمومة، مشيرة إلى أن لجوء الكثير من الأمهات للولادة القيصرية ينبع في المقام الأول من القلق والخوف من آلام المخاض. وأوضحت أن هذه المخاوف تتغذى غالباً على غياب المعرفة الدقيقة، والأقاويل المتداولة في المحيط الاجتماعي حول أضرار الولادة الطبيعية، فضلاً عن الإرشادات الخاطئة التي تتلقاها الحوامل من غير المختصين.
يرتبط نجاح الولادة الطبيعية بمواءمة نمط الحياة مع الطبيعة، غير أن أسلوب الحياة المعاصر القائم على اضطراب النوم، وقلة الحركة، والتغذية غير الصحية، إلى جانب القلق الشديد، أدى إلى تعسّر المخاض أو تأخره، مما دفع الكثيرات للابتعاد عن هذا الخيار.
وأشارت إلى أن الهدف هو تسهيل هذه التجربة وجعلها آمنة للجميع، مع الإبقاء على الجراحة القيصرية كحل إنقاذي يُلجأ إليه فقط في الحالات الطارئة التي تهدد حياة الأم أو الجنين. وتكمن الميزة الكبرى للولادة الطبيعية في سرعة التعافي، فبينما يستمر الألم والتعب لبضع ساعات فقط، تتمكن الأم بعدها من النهوض مباشرة للعناية بطفلها وتلبية احتياجاته، فضلاً عن وجود وسائل طبيعية متعددة تساعد الأمهات في تخفيف آلام المخاض وتجاوزها بأمان.
وأضافت "عندما يولد الطفل بطريقة طبيعية، وتكتمل رئتاه ودماغه، فإنه يكون طفلاً ذكياً وصحياً؛ لأنه يمر عبر قناة الولادة فيتعرف على البكتيريا النافعة الموجودة في تلك المنطقة، مما يرفع من مناعة جسمه، وهذا بدوره يجعله أقل عرضة للإصابة بالأمراض. كما أنه أثناء مروره عبر قناة الولادة يتعرض للضغط، مما يؤدي إلى خروج كامل الإفرازات والسوائل الموجودة في حلقه ورئتيه، فيصبح تنفسه أسهل، ويكون في المستقبل أقل عرضة للإصابة بمرض السكري".
"التغذية الصحية والرياضة مهمتان بعد الولادة"
وأوضحت أسمر حسن أن الكثير من الأمهات يلجأن إلى اختيار تواريخ مميزة تتوافق مع ذكرى زواجها، أو يوم عقد قرانها ليصبح متطابقاً مع يوم ميلاد طفلها، هذا الأمر يتسبب في ولادة الطفل في وقت أبكر، ويتم ذلك غالباً عبر العملية القيصرية لأن هذه الحالات نادراً ما تحدث في الولادة الطبيعية، لافتة إلى أن هذه الظاهرة "غير حضارية".
ويقول بعض الخبراء في المجال الصحي إن الأمهات اللواتي يخرجن أطفالهن بالعملية القيصرية في وقت مبكر قد سلبن حق هذا الطفل، فالطفل كان يرغب في البقاء لبضعة أسابيع أخرى في بطن أمه، فبأي حق أخرجته؟ فعندما يشاء الطفل تبدأ آلام المخاض.
وأشارت إلى أنه في الولادة القيصرية تتمدد العضلات ويكون عودة البطن إلى وضعه الطبيعي أصعب بكثير، أما في الولادة الطبيعية فإن البطن ينكمش ويعود إلى مكانه بعد الولادة مباشرة، مبينة أنه "بعض النساء يرتدين "المشدّ"، لكن هذا ليس له تأثير في تقليل حجم البطن، بل إن الأمر الأهم هو التغذية والرياضة، سواء كانت الولادة طبيعية أو قيصرية. وفي حالة الولادة القيصرية، يجب إيلاء اهتمام كبير جداً بالرياضة والتغذية ليستعيد الجسم رشاقته بشكل أسرع. أما في الولادة الطبيعية، فلا يتم التدخل في العضلات جراحياً، وتتعافى هذه العملية بشكل أسرع".
وأكدت أن عندما تكون الأم قد أجرت عملية قيصرية لمرتين أو ثلاث مرات سابقاً، فلا ينبغي لها محاولة الولادة الطبيعية، ولكن إذا كانت قد أنجبت طفلاً واحداً فقط بعملية قيصرية، فيمكنها أن تمنح نفسها فرصة للولادة الطبيعية، خاصة إذا مر عام ونصف على ولادتها السابقة، موضحة أن العمليات القيصرية وُجدت للحالات الطارئة لإنقاذ حياة الأم والجنين.
"النساء يفتقرن إلى الوعي"
من جانبها ترجع خانزاد محمد أمين، مسؤولة قسم الولادة الطبيعية في مستشفى "آسيا"، الارتفاع الملحوظ في معدلات العمليات القيصرية مؤخراً إلى ضعف الوعي بالفروق الجوهرية بين المؤشرين، موضحة أن للجراحة القيصرية تبعات سلبية متعددة تؤثر على الأم من مناحٍ شتى، أبرزها تأخر البدء في الرضاعة الطبيعية، وصعوبة استعادة الجسم لقوامه الطبيعي مقارنة بالولادة الفسيولوجية.
وفي المقابل، استعرضت المزايا الصحية الشاملة للولادة الطبيعية، مؤكدة أنها تساهم بفعالية في خفض معدلات وفيات الأمهات والأطفال. كما تتيح للأم إرضاع طفلها فور ولادته، وهو أمر بالغ الأهمية؛ إذ يضمن للرضيع الحصول على قيم غذائية متكاملة، ويمنح الأم حماية بعيدة المدى من سرطان الثدي.
وفي ختام حديثها، أشارت خانزاد محمد أمين إلى أن الولادة الطبيعية تسرع تعافي الأم لتعتني بنفسها وبصغيرها، وتقلل من احتمالات نزيف ما بعد الوضع، فضلاً عن أنها تتيح لها التخطيط لحمل جديد بأمان بعد عامين من الرضاعة.