اليوغا بلغة الأطفال... قصص وألعاب لتعليم الجسد والعقل

من قاعات اليوغا في الهند إلى أطفال ونساء روج آفا، تخوض آلاء عبد الفتاح تجربة تهدف إلى تقديم اليوغا بأسلوب مختلف، عبر القصص والألعاب والموسيقى. وبعد سنوات من التدريب، تسعى إلى ترسيخ هذه الممارسة في المنطقة، وتحويلها إلى مساحة للتوازن والهدوء واكتشاف الذات.

سوركل شيخو

عامودا ـ خلال السنوات الأخيرة، شقت اليوغا طريقها إلى مناطق روج آفا، لتدخل كرياضة وممارسة جديدة إلى حياة الناس. وقد اختارت نساء كثر كسر القيود، وخوض تجربة جديدة تعيد تعريف العلاقة بين الجسد والعقل.

ظهرت اليوغا قبل أكثر من خمسة آلاف عام في شمال شبه القارة الهندية، ولا سيما في منطقة وادي السند، التي تضم اليوم أجزاءً من الهند وباكستان. وهي ممارسة تقوم على تحقيق الانسجام بين الجسد والعقل والتنفس، ولا تقتصر على الحركات والتمارين الجسدية، بل تمتد إلى الاسترخاء والتركيز والتأمل.

ومنذ البداية، لعبت نساء روج آفا دوراً بارزاً في دفع عجلة التطور في منطقتهن. فهن يتلقين العلوم والمعارف الحديثة في جامعات الشرق الأوسط والعالم، ثم يعدن بها إلى مدنهن، حاملاتٍ معارف جديدة يشاركنها مع الأطفال والنساء والمجتمع.

 

رحلة بدأت قبل 18 عاماً

تنحدر آلاء عبد الفتاح من مدينة عامودا في روج آفا، وتمارس اليوغا منذ عام 2008. خاضت آلاء وزوجها غيرناس تجربة أكاديمية متخصصة في هذا المجال، حيث درسا وتخرجا في جامعة أوم بمدينة ريشيكيش الهندية، التي تُعرف عالمياً بأنها عاصمة اليوغا.

وبعد تخصصها في يوغا الأطفال، واصلت مسيرتها التعليمية، فالتحقت بأكاديمية متخصصة في يوغا الأطفال في هولندا، حيث أمضت عاماً إضافياً في الدراسة والتدريب.

 

 

عادت إلى روج آفا حاملةً قصة

في عام 2020، عادت آلاء عبد الفتاح إلى روج آفا، لكنها لم تعد وحدها؛ حملت معها تجربة سنوات من التعلم والتدريب، وحملت أيضاً قصة بعنوان "رحلة زين وزينة".

تروي القصة حكاية فتاة تُدعى سوركل، تحاول التغلب على مشاعر الضيق والحزن الناجمة عن ابتعاد صديقتها التي تعيش في بلد آخر. ومن خلال الأغاني واليوغا، تتعلم سوركل كيف تستعيد هدوءها وتوازنها.

 لكن "رحلة زين وزينة" ليست مجرد حكاية تُروى للأطفال قبل النوم؛ إنها وسيلة تعليمية وبرنامج متكامل يساعد الأطفال على اكتشاف اليوغا من خلال عالمهم المفضل: القصص والألعاب والموسيقى.

ومنذ ست سنوات، وبالتعاون مع مركز كولتورفان الثقافي في عامودا، تعمل آلاء عبد الفتاح وغيرناس على تعليم اليوغا للأطفال والنساء، محاولين تحويل هذه الممارسة القديمة إلى جزء من الحياة اليومية في المنطقة.

 

علم قديم بروح جديدة

 تقول آلاء عبد الفتاح إن اليوغا علم قديم جداً، ولا يقتصر تأثيره على تحريك الجسد، بل يمتد إلى الروح والعقل أيضاً "تجعل اليوغا الإنسان قريباً من ذاته، حاضراً في حياته، وقادراً على العودة إلى نفسه. عندما كنا في الهند، درسنا علم اليوغا، وكنا نريد أن نعود إلى مدينتنا وننقل ما تعلمناه إلى أطفالها، كي يتمكنوا من عيش حياة أكثر هدوءاً، خصوصاً في منطقة مرت بالكثير من الصعوبات".

 وترى أن اليوغا لا تزال ممارسة جديدة نسبياً في الشرق الأوسط، بل إن التعرف إليها في أوروبا جاء في وقت متأخر أيضاً، مقارنة بالهند التي تشكل اليوغا فيها جزءاً من الحياة اليومية لدى كثير من الناس.

لكنها وجدت مدخلاً خاصاً إلى قلوب الأطفال من خلال اللعب والحكاية "الأطفال هنا يحبون اليوغا، لأننا لا نقدمها لهم بطريقة تقليدية، بل نربطها بالألعاب والقصص".

 

قصص من ثقافة المنطقة لتعليم اليوغا

 لم تكتفِ آلاء عبد الفتاح بنقل ما تعلمته، بل سعت إلى ابتكار أسلوب يتناسب مع ثقافة المجتمع الذي عادت إليه. وتقول "ابتكرنا قصصاً تتناسب مع ثقافة شعبنا. أعددناها لتعليم الأطفال، ونستخدم الأغاني فيها حتى يتعلموا حركات اليوغا بطريقة محببة".

 وتدور إحدى القصص حول طفلين يغادران بلدهما، ويتعلمان اليوغا خلال رحلتهما، ويكتشفان في كل بلد جديد شيئاً مختلفاً، قبل أن يعودا في النهاية إلى مدينتهما وهما يحملان في حقيبتهما تجارب ومعارف جديدة.

 

"رحلة زين وزينة" تصل إلى العالم

 بالنسبة إلى آلاء عبد الفتاح، لا تتوقف أهمية القصة عند تعليم الأطفال اليوغا، بل تتجاوز ذلك إلى إيصال قصص المجتمع وثقافته إلى العالم "قصتي التي تحمل اسم "رحلة زين وزينة" هي رؤية لكيفية إيصال قصصنا إلى العالم بأسره".

وقد طُبع الكتاب لدى دار نشر مصرية، كما عُرض في معرض الشارقة للكتاب. وتعمل آلاء عبد الفتاح وفريقها حالياً على ترجمة القصص إلى اللغة الكردية، في محاولة لجعلها أقرب إلى الأطفال في المنطقة وأكثر ارتباطاً بلغتهم وثقافتهم.

 

جيل جديد يتعلم ويعلّم

لم يقتصر المشروع على تعليم اليوغا، بل بدأ أيضاً في اكتشاف الأطفال الموهوبين وتطوير قدراتهم. وتقول آلاء عبد الفتاح إن مركز كولتورفان الثقافي علّم حتى الآن 125 طفلاً اليوغا، مشيرةً إلى أن بعض الأطفال واصلوا التدريب دون انقطاع طوال ست سنوات.

وأضافت "وجدنا عشرة أطفال موهوبين جداً ويستحقون اسم "نجوم روج آفا لليوغا". أعددنا لهم بطاقات تمكنهم من تعليم اليوغا في الخليج ودول أخرى أيضاً".

وترى أن ما يميز هذا المشروع هو أنه أُعد باللغة المحلية وبما يتناسب مع ثقافة المجتمع، وليس مجرد ترجمة لبرنامج جاهز.

 إلى جانب الأطفال، خصصت آلاء عبد الفتاح جزءاً من عملها لتعليم النساء. وتقول إن كثيراً من النساء لم يكنّ يعرفن في البداية ماهية اليوغا أو فوائدها، لكنهن سرعان ما تعلّقن بها بعد خوض التجربة بأنفسهن "أقدم اليوغا للنساء منذ ثلاث سنوات، ونحاول أيضاً إعداد مدرّسات حتى ينتشر هذا العلم في مجتمعنا".

وهكذا تتحول اليوغا، بالنسبة إلى آلاء، من ممارسة فردية إلى مساحة جماعية تتيح للنساء اكتساب المعرفة، والعناية بأنفسهن، ونقل ما يتعلمنه إلى أخريات.

 

الجسد والتنفس والعقل... ثلاثية لاستعادة التوازن

تقوم اليوغا على الجمع بين حركات الجسد، والتنفس المنتظم، والتركيز الذهني. ومن خلال هذه العناصر الثلاثة، تسعى جلسات اليوغا إلى تخفيف التوتر واستعادة التوازن الداخلي.

وفي ختام حديثها، تختصر آلاء عبد الفتاح فلسفتها في اليوغا بجملة بسيطة "تنفس الإنسان هو أعظم سلاح بين يديه، لكن للأسف لا يعرف الكثير من الناس هذه الحقيقة ولا يفهمون كيفية استخدامه".