تمثال "سيسيليا" في أوسلو... قوة المرأة في مواجهة سرطان الثدي

يُعد التمثال المعروف باسم "سيسيليا" أول نصبٍ عام في العالم يُظهر امرأة تعيش مع سرطان الثدي.

مركز الأخبار ـ تزدحم الساحات والحدائق والميادين غالباً بتماثيل لرجالٍ سقطوا في الحروب، أو رؤساء دول، أو شخصيات تاريخية بارزة. أما تمثال "سيسيليا" البرونزي لامرأة، فقد أُقيم في وسط العاصمة النرويجية أوسلو عام 2023. يمر أمامه يومياً آلاف الأشخاص الذين لا يستحضرون الفن فحسب، بل يستحضرون في الوقت نفسه الحياة والموت وصورة الجسد الأنثوي.

تلك ليست حكاية مرض، بل حكاية امرأة تقاوم عبر وجودها. فالتمثال القائم في ساحة فلاتفال يجسد أماً لثلاثة أطفال. وقد شُيد تخليداً لـ "سيسيليا" التي شُخِّصت، في سن الثانية والأربعين، بسرطان الثدي النقيلي. وبدلاً من إخفاء مرضها، اختارت أن تشاركه مع الجمهور. وبعد اكتمال التمثال، رحلت في عام 2023، إذ فقدت ثديها بسبب المرض. غير أن أثر الجراحة لم يُخفَ في التمثال البرونزي؛ على العكس، تُرك كما هو. واليوم، تواصل سيسيليا حياتها في صمت التمثال البرونزي.

 

التمثال يطرح سؤالاً حول "جسد المرأة غير الكامل"

فالاختيار لم يكن قراراً جمالياً، بل رسالة سياسية واضحة. إذ إن آلاف النساء اللواتي يخضعن لعلاج سرطان الثدي لا يخضن معركة المرض وحده، بل يخضن أيضاً معركة مع صورة الجسد، ومع نظرة المجتمع، ومع فكرة الظهور. يشير التمثال إلى أن آثار العلاج ليست شيئاً ينبغي للمرأة أن تخجل منه، بل هي جزء من معركة الحياة نفسها.

لم تكن سيسيليا فلاتفال، التي شكّلت مصدر الإلهام للتمثال، ترغب في إخفاء إصابتها بسرطان الثدي، بل قررت مشاركتها مع الناس علناً. وكانت تقول كثيراً خلال مقابلاتها في فترة مقاومة المرض "الموت جزء طبيعي من الحياة. ينبغي أن نتحدث عنه أكثر".

وُضع هذا التمثال، أو هذا العمل الفني، في ساحة سبايكرسوبا إحدى أكثر مناطق أوسلو ازدحاماً، في مكان يعبره يومياً آلاف الأشخاص. يهدف المشروع إلى إخراج النساء المصابات بسرطان الثدي من دائرة العزلة الاجتماعية، ووضعهن في قلب الحياة العامة. فهذه المعركة لا تُخاض داخل المستشفيات فقط؛ بل تخوضها النساء في أماكن العمل، وفي البيوت، وفي الشوارع، وفي كل تفاصيل الحياة اليومية.

 

لا تُجبَر النساء على إخفاء أجسادهن

فالتمثال يعيد طرح الصور النمطية المفروضة على جسد المرأة. التغيرات الجسدية التي تطرأ بعد استئصال الثدي تُقدَّم غالباً بوصفها "نقصاً" ينبغي إخفاؤه، لكن العمل الفني في أوسلو يقول العكس تماماً "ليست نقصاً. لقد عاشت. ليست هشّة. بل قوية. ليست جريحة. بل حيّة".

بهذه الروح، لا يكتفي التمثال برفع الوعي حول سرطان الثدي، بل يكشف أيضاً الضغوط الاجتماعية التي تواجهها النساء في علاقتهم بأجسادهن. المرأة البرونزية الصامتة، الواقفة في مكانها، تدعو المارّين إلى التفكير في الأمل كما في الفقد، في الحياة كما في الموت، في المرض كما في القدرة على الاحتمال. هذا العمل الفني، المعروض يطرح أسئلة حول تصورات المجتمع عن جسد المرأة، ويذكّر بأن الوجود بحدّ ذاته قيمة تستحق الاحترام، رغم هشاشة الحياة.

ولعل "سيسيليا" ليست مجرد تمثال؛ بل ذاكرة مشتركة لملايين النساء اللواتي يعشن مع سرطان الثدي، يخضعن للعلاج، أو يحملن آثار هذه المعركة على أجسادهنّ.