نودم دوراك... صوتٌ يقاوم السجن ويحفظ ذاكرة الثقافة الكردية

نودم دوراك فنانة كردية جعلت من الموسيقى وسيلة للحفاظ على اللغة والذاكرة الثقافية. اعتُقلت عام 2015، ومنذ ذلك الحين تحولت قصتها إلى قضية تتعلق بحرية الفن والتعبير، فيما بقي صوتها حاضراً رغم سنوات السجن.

مركز الأخبار ـ بين سنوات السجن والمخاوف على صحتها وصوتها، تواصل الفنانة نودم دوراك الكتابة والغناء، متمسكة بالموسيقى باعتبارها وسيلة للتعبير والحفاظ على الذاكرة.

وُلدت نودم دوراك عام 1988 في بلدة ديرغول في شرناخ بشمال كردستان. ونشأت في عائلة كانت فيها تقاليد الغناء الشعبي راسخة. وقد أدّى غناء الرجال من أفراد عائلتها دوراً مهماً في بدايتها الموسيقية.

بدأ اهتمام نودم دوراك بالموسيقى في سنوات طفولتها. وفي نحو سن الثانية عشرة، بدأت الغناء، ثم شرعت لاحقاً في العزف على الغيتار. ويُقال إن والدتها باعت خاتمها كي تشتري لها غيتاراً. بالنسبة إليها، لم تكن الموسيقى مجرد مهنة، بل كانت أيضاً وسيلة لإبقاء ثقافة المنطقة التي تعيش فيها ولغتها حيتين.

 

دور الفن في نقل الثقافة ونضال النساء

 في حياة نودم دوراك، لا يمكن فصل هويتها كامرأة عن فنها. فلم تكن مجرد مغنية، بل كانت أيضاً شابة شاركت في الإنتاج الثقافي. فقد علّمت الأطفال الموسيقى، وعملت على مشاريع تتيح للنساء والشباب إظهار أنفسهم في المجالات الثقافية. لقد غنت باللغة الكردية، وسعت إلى نقل الألحان بلغتها إلى الأجيال القادمة.

واصلت نودم دوراك، التي تابعت دراستها الموسيقية في شبابها، مسيرتها بوصفها عضوة في فرقة "سورخوين" الموسيقية. كما عملت مدرّسة للموسيقى والعزف على الدفّ في مركز "مم وزين" الثقافي في جزيرة بوتان. وكان عملها هناك يركّز بشكل خاص على الأطفال، إذ سعت إلى نقل الألحان الشعبية الكردية إلى الأجيال الشابة.

وهكذا، تجاوزت الموسيقى بالنسبة إليها كونها مجرد شكل من أشكال التعبير الفردي، وأصبحت أداة لنقل الثقافة. وقد جمعت الأعمال التي تستند إلى تقليد الغناء الشعبي ذي المكانة المهمة في الثقافة الكردية، بين هذا التراث والموسيقى المعاصرة، وسلّطت الضوء، إلى جانب اللغة الكردية، على دور النساء في الحياة الثقافية أيضاً.

 

تحوّل النشاط الثقافي إلى جريمة

اعتُقلت نودم دوراك في 22 نيسان/أبريل 2015. ووجّهت إليها تهمتا "العضوية في منظمة" و"الدعاية للإرهاب". وأوضح محاميها أن الاتهامات مرتبطة بأنشطتها الثقافية والموسيقية. وقد أُشير بشكل خاص، خلال المحاكمة، إلى عملها في مركز "مم وزين" الثقافي وإلى أنشطتها في مجال الموسيقى الكردية.

وأُفيد بأن مجموع الأحكام الصادرة بحقها في محاكمتين منفصلتين بلغ 19 عاماً وستة أشهر. وقد حظيت قضيتها بنقاش مستمر لفترة طويلة، لأنها تُظهر كيف أصبحت الأنشطة الثقافية لفنانة تغني الموسيقى الكردية موضع نظر أمام المحاكم الجنائية.

 

"أريد أن أخرج قبل أن أفقد صوتي"

 من أكبر مخاوف نودم دوراك في السجن صوتها. فخلال هذا العام أُصيبت بمرض فرط نشاط الغدة الدرقية وهشاشة العظام، ومع تفاقم مشكلاتها الصحية وخطر فقدان صوتها، واجهت مخاوف جديدة. وبالنسبة إلى المغنية، يعد الصوت أحد أكثر أجزاء الحياة أهمية. لذلك قالت "أريد أن أخرج قبل أن أفقد صوتي"، خوفها لا يقتصر على تفاقم مرضها، بل يشمل أيضاً فقدان الصوت الذي حافظت عليه لسنوات، وغنّت به وشاركته مع الآخرين.

 

الدعم الدولي والمقاومة المستمرة

تجاوزت قصة نودم دوراك في نهاية المطاف حدود تركيا. وطالب العديد من الفنانين والناشطين بالإفراج عنها. وقد أعلن شخصيات دولية بارزة، من أمثال بيتر غابرييل، وروجر ووترز، وأنجيلا ديفيس، ونعوم تشومسكي، وكين لوتش، عن دعمهم لها.

أسهم هذا الدعم في أن تُناقش قضيتها ليس باعتبارها مسألة فردية فحسب، بل أيضاً في إطار حرية التعبير والحقوق الثقافية وحرية الفن. وفي عام 2023، وجّه 46 شخصية دولية نداءً مشتركاً من أجل الإفراج عنها. كما انتقدت الكاتبة إليف شافاق اعتبار غناء نودم دوراك بلغتها الأم جريمة.

تسلّط قصة نودم دوراك الضوء أيضاً على دور النساء في الإنتاج الثقافي. فالفنانات لسن مجرد مبدعات للأعمال الفنية، بل يؤدين كذلك دوراً مهماً في نقل اللغة والألحان والحكايات والذاكرة الجماعية من جيل إلى جيل. واليوم، لعل أكثر ما يبرز في قصتها هو أنها، رغم كل هذه السنوات، لم تتخلَّ قط عن الموسيقى. فالقصائد والأغاني التي كتبتها في السجن تُظهر أن الموسيقى لا تزال بالنسبة إليها وسيلة للتعبير عن النضال والمقاومة.