أول صوتٌ نسائي كردي دوّى في الأسطوانات قبل قرن

في عشرينيات القرن الماضي، دوّى صوت امرأة كردية عبر أسطوانات التسجيل، لتبدأ بذلك صفحة جديدة في تاريخ الموسيقى الكردية. إنها الأم جمالي، المغنية والمؤلفة التي سجلت أعمالها باللهجة السورانية على نحو عشر أسطوانات.

مركز الأخبار ـ في تاريخ الثقافة والفن الكردي، ثمة أسماء تظل ساطعة كالنور في صفحات التاريخ رغم مرور العقود. وتُعد "الأم جمالي" واحدة من أوائل النساء اللواتي تركن بصمة في تاريخ الموسيقى الكردية بصوتهن وفنهن الغنائي؛ فهي لم تكن مجرد صاحبة صوت قوي، بل رمزاً لبداية تاريخية للمرأة الكردية في مجال التسجيل الصوتي.

لا توجد أسماء كثيرة لنساء وثّقن أصواتهن في تسجيلات موسيقية عبر تاريخ الموسيقى الكردية، وتُعد "الأم جمالي" واحدة من هؤلاء الرائدات.

وُلدت الأم جمالي، التي تذكر بعض المصادر أن اسمها الحقيقي كان شيرين أو بهيجة أو فرحة إبراهيم يعقوب، عام 1908 في مدينة السليمانية بإقليم كردستان. وانتقلت عائلتها في وقت لاحق إلى حلبجة، حيث نشأت وترعرعت، وكانت المدينة المحطة الأبرز في تكوين شخصيتها الفنية.

في ذلك الوقت، كانت حلبجة تخضع لإدارة عادلة خانم الجاف، الشخصية المعروفة بثقافتها وشاعريتها واهتمامها بالفنانين والمثقفين، فضلاً عن مواقفها تجاه المرأة. وفي هذه البيئة، وجدت الأم جمالي مساحة سمحت لها بإظهار موهبتها والوصول بصوتها إلى المجتمع، رغم القيود الاجتماعية التي كانت تحيط بالمرأة آنذاك.

 

أول امرأة تسجل أغانيها بالسورانية

دخلت عالم التسجيل الموسيقي عام 1926، لتصبح، وفق ما تذكره المصادر، أول امرأة كردية تسجل أغانيها باللهجة السورانية.

كان الاسم الفني الذي اختارته لنفسها هو "الأم جمالي" (Daykî Cemal). وفي الفترة ما بين عامي 1926 و1930، سجلت أعمالها على نحو 10 أسطوانات لصالح شركتي التسجيلات الشهيرتين "بيضافون" (Baidaphon) و"أوديون" (Odeon). وتكتسب هذه التسجيلات أهمية لا تضاهى في تاريخ أرشيف الموسيقى الكردية، إذ بفضلها وصل صوت المرأة الكردية إلى الأجيال القادمة.

ومن بين أغانيها التي لا تزال معروفة حتى اليوم "هي بلار وبلار" (Hey Belar û Belar)، و"خانمي سليماني" (Xanimî Sulaymanî)، و"هي إينين إينين" (Hey înîn înîn)، و"أميني أمين" (Aminê Amin). كما حُفظت بعض تسجيلاتها في أرشيف إذاعة بغداد.

عاشت "الأم جمالي" في حقبة لم يكن يُسمح فيها للمرأة وفقاً للمعايير الاجتماعية بأن تبرز كفنانة. وتشير بعض المصادر إلى أن ظروف تلك الحقبة وأعرافها الاجتماعية دفعتها إلى التخلي عن الغناء بعد فترة ومواصلة حياتها بعيداً عن الأضواء.

عانت من مرض سرطان الثدي، حيث توفيت عام 1979 في مستشفى مدينة الطب ببغداد، ودُفنت في مقبرة الشيخ معروف في المدينة ذاتها.

 

ذكرى حية

رغم أنها تخلت عن الفن في منتصف حياتها، إلا أن أعمالها وصوتها ظلت محفوظة في أرشيف الباحثين الموسيقيين ومنصات الحفاظ على الثقافة الكردية. وحتى اليوم، لا تزال أغانيها التي تعود لعشرينيات القرن الماضي محل اهتمام وتقدير باعتبارها وثائق قيّمة في تاريخ غناء وموسيقى المرأة الكردية. لقد حفرت لنفسها مكاناً في الذاكرة الثقافية بوصفها الصوت الأصيل الذي مهد الطريق للفنانات الكرديات.

واليوم، وبعد مرور قرابة قرن من الزمان، لا يزال اسمها حاضراً في تاريخ الموسيقى الكردية؛ فتلك المرأة التي كان صوتها مسجلاً على الأسطوانات، خلدت في الواقع صوت المرأة الكردية في تاريخ الموسيقى.