أريتي القورينية... كيف ضاعت فيلسوفة من ذاكرة الفلسفة؟

تكسر أريتي القورينية احتكار الرجال للفلسفة القديمة؛ كأول امرأة تقود مدرسة فكرية وتؤلف عشرات الكتب الضائعة. فرغم تغييبها، تظل رمزاً ملهماً لأصوات نسائية وشمال أفريقية هُمشت في سرديات التاريخ.

مركز الأخبار ـ تُظهر السرديات التقليدية لتاريخ الفلسفة القديمة احتكاراً لأسماء ذكورية كبرى مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو، مما يوحي بأن الفكر كان حكراً عليهم. لكن التنقيب في الهوامش يكشف عن شخصيات مؤثرة غُيبت عن الذاكرة الجمعية.

تأتي أريتي القورينية كواحدة من أبرز هذه الشخصيات الفلسفية المهمشة؛ فرغم ندرة المعلومات عنها، تشير الروايات التاريخية إلى أنها أول امرأة تتولى إدارة مدرسة فلسفية في العالم اليوناني القديم، مما يجعلها رمزاً لجانب فكري ثري ظل منسياً لقرون.

قصتها ليست مجرد سيرة امرأة عاشت قبل أكثر من ألفي عام، بل هي قصة النسيان ذاته؛ ذلك النسيان الذي لا يبتلع الأشخاص وحدهم، بل يبتلع الأفكار والكتب والأصوات التي لم تجد من يحفظها في مواجهة الزمن.

 

نشأتها

ولدت أريتي في مدينة قورينة بشمال أفريقيا، وهي مركز حضاري وتجاري مزدهر ربط القارة بالعالم الإغريقي. في هذه البيئة الغنية، نشأت كابنة للفيلسوف أريستيبوس القورينائي، الذي يعد من أبرز تلاميذ سقراط ومؤسس المدرسة القورينائية.

في هذا المناخ الفكري تلقت تعليمها. وتشير روايات قديمة إلى أنها واصلت تدريس الفلسفة بعد وفاة والدها، وتولت قيادة المدرسة القورينائية نفسها، وهو أمر استثنائي في عالم كانت الحياة الفكرية فيه تكاد تكون حكراً على الرجال.

وربما تكمن أهمية هذه الرواية في دلالتها أكثر من تفاصيلها. فمجرد قبول امرأة في موقع القيادة الفلسفية في القرن الرابع قبل الميلاد يكشف أن أريتي كانت تتمتع بمكانة علمية يصعب تجاهلها. ولم يكن من السهل على تلاميذ الفلسفة آنذاك أن يعترفوا بسلطة فكرية لا تستند إلى معرفة حقيقية.

وتذهب بعض المصادر إلى أبعد من ذلك، إذ تنسب إليها تأليف أربعين كتاباً في الفلسفة وتدريس أكثر من مئة فيلسوف خلال مسيرة امتدت لعقود طويلة. لكن المفارقة أن هذه الكتب كلها اختفت. فلا توجد مخطوطة واحدة تحمل اسمها، ولا اقتباس مباشر من مؤلفاتها، ولا أثر مادي يمكن أن يساعد على إعادة بناء أفكارها.

هنا تتحول أريتي من شخصية تاريخية إلى سؤال فلسفي بحد ذاته. كيف يمكن لفيلسوفة يُقال إنها قادت مدرسة فكرية وألفت عشرات الكتب أن تختفي تقريباً من التاريخ؟

ضياع معظم تاريخ العالم القديم يعود لسببين: الكوارث الطبيعية والحروب التي دمرت آلاف المؤلفات، وآلية كتابة التاريخ التي تعتمد على الانتقاء؛ فتختار ما يُخلد وتتجاهل الباقي، مما جعل ما يصلنا اليوم مجرد جزء بسيط من نتاج فكري هائل اختفى معظمه.

وكانت النساء الأكثر عرضة لهذا التغييب؛ نظراً لهيمنة الرجال تاريخياً على مؤسسات نسخ الكتب وحفظها وتعليمها، مما قلص فرص بقاء نتاجهن الفكري مقارنة بمعاصريهن.

لهذا لا تبدو أريتي حالة معزولة، بل جزءاً من ظاهرة أوسع طالت شخصيات نسائية عديدة في التاريخ القديم. فكما وصلت إلينا أسماء قليلة مثل هيباتيا الإسكندرانية وأسبازيا الأثينية، اختفت أسماء أخرى كثيرة ولم يبق منها سوى إشارات متناثرة في كتب المؤرخين.

وتزداد أهمية أريتي عندما ننظر إليها من زاوية جغرافية وثقافية أخرى. فهي ابنة قورينة، المدينة الواقعة في ليبيا الحالية، والتي كانت يوماً من أهم المراكز الفكرية في حوض المتوسط. ورغم ذلك، نادراً ما تُذكر مساهمة شمال أفريقيا في تاريخ الفلسفة القديمة، إذ غالباً ما تُختزل السردية الفلسفية في أثينا وبعض المدن اليونانية الأخرى.

إن استعادة اسم أريتي تعني أيضاً استعادة جزء من ذاكرة قورينة نفسها؛ المدينة التي أنجبت فلاسفة وعلماء وشعراء وأسهمت في تشكيل المشهد الفكري للعالم القديم. كما تذكرنا بأن إنتاج المعرفة لم يكن حكراً على مركز واحد أو شعب واحد، بل كان ثمرة تفاعل حضاري واسع امتد عبر ضفتي المتوسط.

 

أصولها

أما مسألة أصولها الليبية أو الأمازيغية فتبقى مفتوحة للنقاش؛ نظراً للتنوع العرقي والثقافي في قورينة تاريخياً. لكن المؤكد أن فكرها نبت في شمال أفريقيا، وسيرتها جزء لا يتجزأ من التراث الثقافي الليبي.

تكمن القيمة الحقيقية لأريتي في غموض سيرتها، فالصمت المحيط بها يثبت هشاشة الذاكرة الإنسانية، ويؤكد أن التاريخ لا يحفظ الأكثر حكمة دائماً، بل من حالفه الحظ في بقاء مؤلفاته وتداول اسمه.

من هنا تصبح أكثر من مجرد فيلسوفة منسية. إنها شاهد على تاريخ موازٍ لم يُكتب كاملاً، وعلى أصوات غابت من السردية التقليدية للفلسفة، لا لأنها كانت أقل قيمة، بل لأن الزمن اختار أن يكون أقل إنصافاً معها.

وبين ما نعرفه وما فُقد من سيرتها، يبقى اسم أريتي القورينية دعوة مفتوحة لإعادة النظر في تاريخ الفكر الإنساني، وفي الأسئلة التي ما زالت مطروحة حتى اليوم: من يكتب التاريخ؟ ومن يقرر من يستحق أن يبقى في الذاكرة؟ ومن هم الذين ما زالوا ينتظرون أن يُعاد اكتشافهم بعد قرون من الصمت؟