أمينة أوجاك... ذاكرة ميدان غلطة سراي وصوت العدالة للمختفين قسراً

منذ عام 1995، كانت أمينة أوجاك في الصفوف الأمامية لـ "أمهات السبت"، وخلال بحثها عن ابنها، أصبحت واحدة من أبرز رموز النضال من أجل الحقيقة والعدالة، وتحولت مقاومتها إلى أقوى صوت يطالب بكشف مصير المفقودين.

مركز الأخبار ـ هناك أشخاص لا يحملون على عاتقهم آلامهم الشخصية فحسب، بل يحملون أيضاً ذاكرة مجتمع بأكمله، وأمينة أوجاك واحدة من هؤلاء، فقصة حياتها لم تكن مجرد قصة أم تبحث عن ابنها حسن أوجاك الذي اختفى بعد احتجازه، بل أصبحت رمزاً بارزاً للنضال من أجل العدالة للمختفين قسراً في تركيا. 

في 27 أيار/مايو 1995، كانت أمينة أوجاك من بين الأمهات الأوائل اللواتي وقفن في ميدان غلطة سراي، ومنذ ذلك اليوم، وعلى مدى ما يقارب من ثلاثين عاماً، لم تفارق يدها صورة ابنها، وفي كل مرة كانت تأتي إلى الميدان، لم تكن تبحث عن حسن وحده، بل عن مئات الأشخاص الذين اختفوا بعد احتجازهم، ومن خلال اعتصامها الصامت، قاومت الإنكار والإفلات من العقاب وسياسة النسيان.

وفي 21 آذار/مارس 1995، اتصل بها ابنها حسن ليخبرها أنه سيعود إلى المنزل، وكانت تلك المكالمة آخر حديث بين الأم وابنها، وأمضت أمينة أوجاك أياماً وهي تتنقل بين مراكز الشرطة والنيابات والمستشفيات، لكنها كانت تتلقى في كل مكان الجواب نفسه "ليس لدينا"، لكنها لم تصدق ذلك أبداً.

وفي رسالة كتبتها بعد سنوات، وصفت تلك الأيام بقولها "لم أفقد الأمل يوماً في العثور على ابني، وبعد 58 يوماً، وجد أبنائي صور حسن في سجلات الطب العدلي. لم يكن حسن بلا أهل، لكنهم دفنوه في مقبرة المجهولين حتى لا يرى أحد آثار التعذيب الذي تعرض له".

 

بدأت المعركة الحقيقية

عندما تكشف أن حسن أوجاك قُتل تحت التعذيب، لم تنتهِ معركة أمينة أوجاك، بل بدأت فعلياً، وبعد أن استخرجت جثمان ابنها من مقبرة المجهولين ووارته الثرى، قررت أن تجلس في ميدان غلطة سراي حتى لا تعيش أي أم أخرى المأساة نفسها.

وسرعان ما أصبحت اعتصامات "أمهات السبت" الصامتة رمزاً ليس فقط لعائلات المفقودين، بل أيضاً لحركة الدفاع عن حقوق الإنسان، وكما كانت تقول أمينة أوجاك، فقد أصبحوا في غلطة سراي "إخوة، وأبناء، وأصدقاء"، ومع اتساع رقعة النضال، تراجعت حالات الاختفاء القسري، وأصبح الميدان رمزاً للذاكرة والمطالبة بالعدالة.

لكن هذا النضال كان مليئاً بالتضحيات، فقد مُنع الاعتصام في الميدان مراراً، وتعرضت أمهات السبت للاعتقال والعنف، ومع ذلك، لم تتراجع أمينة أوجاك، لأنها كانت ترى أن الاستسلام لا يعني التخلي عن حسن وحده، بل عن جميع العائلات التي تبحث عن العدالة.

وفي إحدى رسائلها كتبت "إذا تخلينا عن نضالنا، فلن نصل إلى مفقودينا، وإذا تخلينا، فستبقى هذه البلاد جنةً لمن تسببوا في اختفاء الناس، وإذا تخلينا، فلن تتحقق العدالة أبداً".

ولم يكن نضال أمينة أوجاك يقتصر على المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن مقتل ابنها، بل كرست حياتها لتكون صوت الحقيقة والذاكرة والعدالة في مواجهة عنف الدولة، وعلى مدى سنوات، تحولت الصورة التي كانت تحملها لحسن في ميدان غلطة سراي إلى رمز لكل من اختفى قسراً.

 

إرث من الصمود

في السنوات الأخيرة من حياتها، وبعد إصابتها بأزمة قلبية، تلقت أمينة أوجاك العلاج في العناية المركزة، قبل أن تتوفى في 23 تموز/يوليو 2025، وفي الذكرى الأولى لرحيلها، تجدر الإشارة إلى أنها تركت خلفها ليس فقط حزناً عميقاً، بل أيضاً إرثاً راسخاً من الصمود والمقاومة انتقل إلى الأجيال اللاحقة.

أما أمنيتها الكبرى، فلم تتغير يوماً ففي رسالة كتبتها عام 2019 "إنهم ينتظرون أن نموت جميعاً حتى لا يحاسبوا، لكنهم لن يفلتوا من الحساب. لن نتراجع حتى يُعثر على آخر مفقود، ويُعاقب المسؤولون عن إخفائهم. لقد وعدت رفيقتي إلماس بأننا سنحمل يوماً صور أبنائنا في غلطة سراي، الذي هو ميداننا وميدان مفقودينا".

الأثر الذي تركته أمينة أوجاك في ميدان غلطة سراي سيبقى حياً حتى يُكشف مصير المفقودين وتتحقق العدالة، وسيظل اسمها محفوراً في الذاكرة بوصفها واحدة من أبرز رموز النضال من أجل الحقيقة والعدالة في تركيا.