قامشلو... مئة عام من الحكاية والنمو والتنوع

مئة عام مرت على مدينة قامشلو بروج آفا، تبدلت خلالها ملامح المدينة واتسعت حدودها، لكن ذاكرتها بقيت حاضرة في حكايات أهلها وشوارعها وأحيائها. من البدايات الأولى إلى مدينة اليوم، تستعيد قامشلو في ذكرى تأسيسها قرناً من التاريخ والتحولات والتنوع.

نغم جاجان

قامشلو ـ تُعدّ قامشلو واحدة من أبرز مدن روج آفا، وقد اكتسبت أهميتها من موقعها الجغرافي المميز على ضفاف نهر جقجق، بمحاذاة مدينة نصيبين في شمال كردستان. تحولت المدينة مع مرور الزمن، من تجمع عمراني حديث النشأة إلى مركز اقتصادي وثقافي بارز، يحمل في ملامحه تاريخ المنطقة وتنوعها السكاني والاجتماعي.

ترتبط نشأة قامشلو بمرحلة الانتداب الفرنسي على سوريا، ففي عام 1925 بدأ التخطيط لتأسيس المدينة، بينما يُعدّ عام 1926 عام تأسيسها الفعلي، حين شرعت السلطات الفرنسية في بناء الثكنات العسكرية ووضع الأسس الأولى للتوسع العمراني المنظم.

ولم تمضِ سوى سنوات قليلة حتى افتُتحت محطة القطار عام 1928، لتدخل المدينة مرحلة جديدة من النمو، مستفيدةً من موقعها على خط سكة حديد بغداد الذي ربط المنطقة بمراكز تجارية وحيوية مهمة.

وجاء تأسيس قامشلو في سياق التحولات الكبرى التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، ولا سيما بعد ترسيم الحدود السورية ـ التركية، حين أصبحت نصيبين، التي كانت تاريخياً جزءًا من المجال الجغرافي والاجتماعي للمنطقة، داخل الأراضي التركية.

وفي ظل هذا الواقع الجديد، أنشأت السلطات الفرنسية قامشلو على الجانب السوري لتكون مركزاً إدارياً وتجارياً ناشئاً، مستفيدة من موقعها الحدودي ومن إمكانات التواصل التي وفرتها شبكة السكك الحديدية.

في بداياتها، لم تكن قامشلو سوى منطقة صغيرة تحيط بها الأراضي الزراعية، لكن موقعها الاستراتيجي سرعان ما منحها مقومات النمو. ومع تدفق موجات من المهاجرين واللاجئين، ولا سيما في أعقاب الاضطرابات والأحداث التي شهدتها المنطقة خلال عشرينيات القرن العشرين، بدأت ملامح المدينة تتشكل وتتوسع. وأسهم وصول خط القطار وافتتاح محطته في تنشيط حركة التجارة والزراعة، فتحولت تدريجياً إلى نقطة جذب سكاني واقتصادي، حتى أصبحت لاحقاً من أهم مدن محافظة الحسكة.

ولم يكن نمو قامشلو عمرانياً واقتصادياً فحسب، بل تشكلت هويتها أيضاً من خلال التنوع الكبير في مكوناتها السكانية. فقد احتضنت المدينة الكرد والعرب والسريان والآشوريين والأرمن والكلدان والآراميين، إلى جانب مكونات أخرى بأعداد أقل، لتغدو مثالاً على التعدد الثقافي والاجتماعي الذي ميّز منطقة الجزيرة السورية.

 

المصادر الاقتصادية

اعتمدت قامشلو منذ نشأتها على موقعها الجغرافي وما وفره من مقومات اقتصادية متنوعة. وتشكل الزراعة أحد أبرز مصادر الدخل في المنطقة، حيث تشتهر بزراعة القمح والقطن والشعير والعدس، إلى جانب النشاط التجاري الذي ازدهر بفعل موقع المدينة الحدودي وما رافقه من حركة تبادل ونقل وخدمات. كما أسهمت حقول النفط القريبة، التي بدأ استثمارها بصورة أوسع منذ سبعينيات القرن الماضي، في تنشيط اقتصاد المنطقة وتعزيز مكانتها الاقتصادية.

ويرتبط اسمها وفق إحدى الروايات المتداولة، بكلمة "قامشلي"، التي تعني "القصب"، في إشارة إلى نبات القصب الذي كان ينمو بكثرة على ضفاف نهر جقجق في الماضي. ويعكس هذا الاسم في دلالته طبيعة المكان وارتباط نشأة المدينة ببيئتها الطبيعية المحيطة.

ولأن تاريخ المدن لا يُروى من خلال الأرقام والوثائق وحدها، تبقى شهادات أهلها جزءاً أساسياً من حفظ ذاكرتها. ومن بين هذه الشهادات تأتي رواية شاهة حساري، وهي امرأة تنحدر أصولها من قرية علي فرو التابعة لقامشلو، وقد تزوجت واستقرت في المدينة.

 

 

واليوم، وبعد أن تجاوزت الستين من عمرها، تحمل شاهة حساري في ذاكرتها جانباَ من تاريخ قامشلو وتحولاتها، وروت لوكالتنا ما اختزنته ذاكرتها من تفاصيل عن المدينة وماضيها، لتصبح شهادتها حلقة وصل بين تاريخ قامشلو كما عاشه أهلها، وبين الأجيال التي جاءت بعدها.

 

"يقولون إن الشام سكر، لكن الوطن أحلى منه"

تروي شاهة حساري وهي أم لأربعة أطفال، أن علاقتها بقامشلو تمتد لنحو خمسين عاماً، وهي سنوات تشكل خلالها ارتباطها بالمدينة وتحولت إلى موطنٍ استقرت فيه حياتها وذكرياتها. وتقول إنها وُلدت في قرية علي فرو، التي تصفها بالقرية الوطنية، وقضت فيها سنوات طفولتها وشبابها، قبل أن تقودها ظروف الحياة إلى الزواج والاستقرار في قامشلو.

وأشارت إلى أنها عاشت في المدينة حياة طبيعية على مدى نصف قرن تقريباً "أنا سعيدة بهذه الحياة، وسأعيش في قامشلو حتى نهاية حياتي".

وعلى الرغم من أن كثيراً من أبناء المنطقة غادروا البلاد، فإن شاهة حساري لم تجد في ذلك ما يدفعها إلى مغادرة قامشلو "لقد غادر كثير من الناس البلاد، وكانوا يقولون لنا: تعالوا إلينا. لكننا راضون عن حياتنا هنا. لن تجد مكاناً جميلاً مثل قامشلو الخاصة بنا".

 

في قامشلو مكونات عديدة

وترى شاهة حساري أن قامشلو لم تعد المدينة التي عرفتها في بدايات حياتها، بل تحولت على مدى عقود إلى مدينة واسعة ومكتظة بالسكان، تفتح أبوابها أمام التطورات المتواصلة، وتوفر لأبنائها وأهلها العديد من فرص العمل وسبل العيش.

وتشير إلى أن ما يميز قامشلو ليس اتساعها العمراني فحسب، بل تنوعها الاجتماعي أيضاً "في قامشلو مكوّنات عديدة، جميعهم يعيشون معاً بروح الأخوة. عندما تتمكن مدينة مثل قامشلو من الصمود والوقوف على قدميها طوال قرن من الزمن رغم كل الصعوبات، فإنها تصبح مدينة تتطور وتتوسع يوماً بعد يوم".

وتستعيد شاهة حساري صورة قامشلو في الماضي "في السابق كانت قامشلو أشبه بقرية، وكانت المناطق المحيطة بها عبارة عن بساتين، ولأنها كانت على هيئة قرى، لم يكن الكثيرون يعتبرونها مدينة. وقد توجه إليها كثير من الأشخاص الذين لم تكن لديهم منازل أو أبنية في القرى، لكي يتمكنوا من العمل وتأمين حياة أفضل لأطفالهم". وبخطوات بسيطة ومتدرجة، بدأت المدينة تتوسع، وراحت ملامحها العمرانية تتغير، حتى تحولت من تجمع صغير تحيط به البساتين إلى مدينة كبيرة تعج بالسكان والحركة.

وفي ظل اقتراب الذكرى المئوية لتأسيس قامشلو، أعلنت بلدية المدينة، في بيان لها، عن استعداداتها لإقامة احتفال بمناسبة مرور مئة عام على تأسيسها، في مناسبة تستحضر تاريخ المدينة ومحطات تطورها والتحولات التي شهدتها على مدى قرن كامل.

 

100 عام على تأسيس قامشلو

 

 

وحول هذه المناسبة أوضحت الرئيسة المشتركة لبلدية قامشلو بيريفان عمر، أن عام 2026 يحمل رمزية خاصة للمدينة، كونه يصادف الذكرى المئوية لتأسيسها، مؤكدةً أن الاحتفالية تهدف إلى استعادة ذاكرة قامشلو وتسليط الضوء على محطات تاريخها وتحولاتها خلال قرن كامل.

وفي حديثها عن التحضيرات الجارية لإحياء الذكرى المئوية، كشفت بيريفان عمر عن إعداد برنامج خاص يستحضر تاريخ المدينة وذاكرتها، مشيرةً إلى إنتاج فيلم وثائقي يوثق أبرز مراحل نشأة قامشلو وتطورها، كما إنه سيتناول شخصيات بارزة ومعروفة ارتبط اسمها بالمدينة، إلى جانب استعراض عدد من المواقع والأماكن التي رافقت المراحل الأولى لتأسيس قامشلو وما زالت شاهدة على تاريخها حتى اليوم".