ليبيا... نساء يُقتلن وسط صمت المجتمع وتردد القانون
شهدت ليبيا خلال السنوات الأخيرة تصاعداً لافتاً في معدلات العنف ضد النساء، وسط سياقات اجتماعية وثقافية وسياسية متشابكة أسهمت في ترسيخ قبول واسع لممارسات الإيذاء، وصولاً إلى القتل.
ابتسام اغفير
بنغازي ـ مع تزايد حالات الاستهداف، لم يعد قتل النساء مجرد أحداث فردية، بل باتت مؤشّراً على خلل عميق في منظومة الحماية وفي البنية القيمية التي تحكم نظرة المجتمع للمرأة ودورها وحقوقها، وفي ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى قراءة معمّقة تفكك جذور المشكلة وتكشف مستوياتها النفسية والاجتماعية والقانونية.
حنين بوشوشة، رئيسة منظمة نوازي للدراسات والتنمية وباحثة في مجال دراسات المرأة والحوكمة، تحدثت لوكالتنا تعاظم مظاهر العنف ضد النساء في ليبيا، موضحةً الخلفيات الثقافية والاجتماعية التي جعلت العنف سلوكاً مألوفاً، والظروف القانونية والسياسية التي سمحت بتطوره حتى بلغ حد القتل، وتقدم قراءة موسّعة لعدد من القضايا التي شغلت الرأي العام، معتبرةً أن تجاهل الأسباب العميقة واستمرار الإفلات من العقاب جعلا النساء أكثر الفئات عُرضة للاستهداف في الفضاءين العام والخاص.
تستهل حنين بوشوشة حديثها حول قتل النساء في ليبيا بالإشارة إلى أن العنف بات ظاهرة متنامية في المجتمع، حتى أصبح هناك تماهٍ مع لفظ "العنف" وأساليبه، سواء وُجّه ضد النساء أو الرجال أو الأطفال، وتوضح أن علم الاجتماع يستخدم مصطلح "العنف المعمّم" لوصف المجتمعات التي تتطبع مع العنف، بحيث تتولد أنماط أكثر تطرفاً قد تؤدي إلى القتل أو الإصابة بعاهات مستديمة، وما ينجم عن ذلك من تفكك للأسرة والمجتمع.
أفعال مجتمعية تبرر قتل النساء
وتشير حنين بوشوشة إلى أن ظاهرة قتل النساء تنامت بشكل ملحوظ، وترافقت مع ردود أفعال مجتمعية غير مبالية تصل إلى تبرير القتل، ففي كثير من الحالات، تُوجّه أصابع الاتهام للضحية، خصوصاً في قضايا الشرف، ويتردد التعليق الشائع "أكيده دايرة حاجة"، ما يعكس رؤية تُحمّل المرأة مسؤولية ما وقع عليها من عنف أو قتل، وتضيف أن هذا التبرير المجتمعي يجعل الجاني بمنأى عن المساءلة، ويعزّز قبول العنف ضد النساء.
وتوضح أن أحد الأسباب الرئيسة وراء انتشار العنف هو التنشئة الاجتماعية التي تُكرّس فكرة قبول تعنيف المرأة بوصفه جزءاً من الثقافة السائدة، وتستشهد بالمثل الشعبي "نردوها معاك لو طاح منها قرن"، الذي يُستخدم عند إعادة المرأة إلى بيت الزوج رغم ما تعرضت له من عنف، وترى أن هذا الإرث الثقافي ترك أثراً عميقاً في الوعي الجمعي، وهو ما يظهر اليوم في عدد حالات قتل النساء التي تجاوزت 20 حالة خلال عام 2025، مع تباين الدوافع واختلاف الظروف.
الحماية القانونية للنساء
وأكدت أن غياب الحماية القانونية للنساء يزيد من تفاقم المشكلة، إذ تُعامل بلاغات العنف في كثير من أقسام الشرطة بوصفها "شأناً أسرياً"، كما يشكل انتشار السلاح والجماعات المسلحة خارج إطار الدولة عاملاً إضافياً يوسع رقعة الجرائم، سواء ضد النساء الليبيات أو المهاجرات.
وتتوقف حنين بوشوشة عند ذريعة "الشرف"، مؤكدةً عدم وجود أي مبرر يسمح بقتل إنسان تحت هذا العنوان، وأن الفكر الأبوي هو الذي يُعمّم هذه المبررات على النساء دون الرجال، وتوضح أن الأم قد تمارس العنف ضد ابنتها إرضاء للأب أو الأخ، نتيجة ثقافة متوارثة تكرّس مقولة "الراجل ما يعيبه شيء"، بينما تُحمّل المرأة المسؤولية في كل حال، مشيرة إلى أن الضحية قد تتماهى مع الجلاد فتقبل العنف الواقع عليها وتبرره بقولها "نعم أخطأت وأستحق العقاب".
تخصيص بيوت آمنة للنساء
وترى أن وصول العنف إلى حد القتل يُعد مؤشراً بالغ الخطورة يتطلب تدخلاً تشريعياً عاجلاً، إضافة إلى تدابير وقائية وتخصيص بيوت آمنة للنساء اللواتي لا يجدن مأوى يحميهن، فالكثير من النساء يظللن تحت رحمة العنف لعدم توفر بديل يحميهن من الخطر المحدق.
وتعتبر أن الإفلات من العقاب عامل أساسي في تفاقم الظاهرة، إذ يمنح الجاني شعوراً بأن فعله مقبول اجتماعياً، خاصة عندما يبرَّر بـ"الشرف"، وتشير إلى أن المرأة وحدها تُحاسب بشدة في حال ارتكاب فعل مشابه ضد رجل، بينما يحصل الرجل على تخفيف في العقوبة بذات الذريعة، وتوضح أن هذا التمييز يساهم في تمادي العنف وتطوره إلى قتل.
الحروب ليست شماعة
وأوضحت حنين بوشوشة أن الأزمات والحروب التي مرت بها ليبيا رفعت معدلات العنف، كما يحدث في الدول التي تشهد نزاعات وانقسامات، لكنها ترفض اعتبار الحروب "شماعة" تُعلّق عليها السلوكيات العنيفة، وتشير إلى قضيتي مقتل الدكتورة العراقية بان زياد، والدكتورة الليبية أماني جحا، معتبرةً أن ما ظهر من نتائج في التحقيقات حول قضية أماني مؤلم ويدعو للقلق بعد تورط الأم والأب والأخ والزوج وحتى الأخت، وهو ما يستدعي دراسات جادة تبحث في الأسباب التي تدفع أسرة كاملة للمشاركة في جريمة قتل.
وشددت على ضرورة حضور علمَي النفس والاجتماع في تحليل هذه القضايا، لأن الظاهرة لن تتوقف ما لم تُعالج جذورها، وتوضح أن المجتمع يشهد تغيراً في بنيته الأساسية، وأن تفكك الأسرة أو الخلافات المالية أو ذريعة الشرف قد تكون خلف بعض الجرائم، ما يتطلب دراسات معمقة لفهم الدوافع الحقيقية.
قتل الخطأ أثناء تنظيف السلاح
وتتوقف عند ما يسمى "قتل الخطأ أثناء تنظيف السلاح"، معتبرةً أن دور الطب الشرعي مهم لكشف الملابسات الحقيقية لهذه الجرائم، ومعرفة ما إذا كانت متعمدة أم نتيجة إهمال، خصوصاً عندما تكون الضحية امرأة ويُقال إن الرصاصة خرجت "عن طريق الخطأ".
وتتطرق حنين بوشوشة إلى قضية مقتل الخنساء مجاهد في طرابلس، وتقول إن تفاصيل الجريمة توحي بأن الضحية كانت مستهدفة بشكل مباشر، نظراً لتركز الطلقات على الرأس والصدر، وتطرح أسئلة حول دوافع الجريمة: هل لأنها زوجة سياسي؟ أم لأنها "بلوكر" معروفة؟ أم لأنها شخصية نشطة في الفضاء العام؟ مؤكدة أن النساء يشعرن اليوم بفقدان الأمان وأنهن مستهدفات في أي وقت.
المجتمع يعيش حالة صدمة
وتشير إلى أن المجتمع يعيش حالة صدمة بسبب توالي هذه الجرائم، إلا أن الخطر يكمن في اعتبارها "حوادث فردية"، ما يؤدي إلى غياب الحماية وعدم اتخاذ الإجراءات الوقائية، وترى أن هذا الوضع يجعل العاملات والناشطات في المجالات السياسية والاجتماعية والحقوقية، وحتى الصحفيات، أكثر عرضة للاستهداف.
وتكشف عن دراسة أجرتها منظمة نوازي، أظهرت أن العاملات في المجال العام هن الأكثر عرضة للعنف الرقمي بنسبة وصلت إلى 67%. مشيرةً إلى أن هذا العنف الإلكتروني بدأ يتحول إلى عنف ميداني وعمليات قتل، في ظل فكر مجتمعي يرى أن مكان المرأة الطبيعي هو البيت، وأن وجودها في الفضاء العام يجعلها "مباحة" لمن يعترض على دورها.
كسر التابوهات المرتبطة بها
وتؤكد حنين بوشوشة على ضرورة تفعيل قانون خاص بحماية النساء من العنف وليس قانون حماية الأسرة، لأن كثيراً من النساء قد لا يعشن داخل أسر أو يتعرضن للعنف في فضاءات خارج المنزل، مشددة على أهمية تحسين صورة المرأة في الإعلام، وكسر التابوهات المرتبطة بها، وإظهار دورها الحقيقي في المجتمع، إلى جانب تنفيذ حملات مناصرة فعّالة لحمايتها.
ودعت رئيسة منظمة نوازي للدراسات والتنمية والباحثة في مجال دراسات المرأة والحوكمة حنين بوشوشة مجلس النواب إلى سن قوانين واضحة، وفرض تدابير وقائية، وتوفير بيوت آمنة للنساء، مشيرةً إلى أن المجتمع يلوم المنظمات الداعمة للمرأة لكنه لا يقف معها في حالات العنف والقتل، وأن عمل المنظمات مقيد بعوامل عديدة، بينها التضييق وقلة الإمكانات، ما يستوجب تضامن مؤسسات الدولة كافة للحد من هذه الظاهرة المتفاقمة.