خلف الأبواب المغلقة... العنف الأسري يهدد النساء والأطفال في مصر
أكدت الدكتورة يارا إبراهيم، على أن العنف الأسري يترك آثاراً نفسية عميقة لدى الأطفال ويجعل العنف سلوكاً متوارثاً داخل الأسرة، مشيرةً إلى أن مواجهة الظاهرة تتطلب تدخلاً تربوياً ونفسياً واجتماعياً يتجاوز الحلول القانونية.
إيمان سمير علي
مصر ـ خلف الأبواب المغلقة، وفي المكان الذي يفترض أن يكون الملاذ الأكثر أماناً، تتكرر وقائع العنف الأسري في مصر، لتكشف عن أزمة لا تقتصر آثارها على لحظة الاعتداء، وإنما تمتد إلى الأسرة بأكملها، وتترك ندوباً نفسية وسلوكية قد تلازم الضحايا لسنوات.
فالعنف داخل الأسرة لا يبدأ دائماً بضربة، وقد لا ينتهي عندها. فهو قد يتخذ صوراً متعددة، تبدأ بالإهانة والتهديد والسيطرة والإساءة النفسية، وتمتد إلى الضرب والإيذاء الجسدي، وقد تصل في بعض الحالات إلى محاولات القتل أو القتل بالفعل.
وقائع تكشف الوجه الأكثر قسوة للعنف الأسري
بحسب البيانات الواردة فقد شهدت محافظات مصرية خلال آب/أغسطس الفائت، عدة وقائع دامية للعنف الأسري، تنوعت بين جرائم قتل واعتداءات بدنية ومحاولات قتل وعنف ضد الأطفال، وارتبط بعضها بخلافات زوجية أو مالية أو أسرية، بما يعكس تعقيد الظاهرة وتعدد دوافعها.
ومن بين أبرز الوقائع، مقتل امرأة على يد زوجها داخل منزلها في منطقة مسطرد بمحافظة القليوبية، عقب مشادة وخلافات أسرية. وقد عثرت الأجهزة الأمنية على جثتها، قبل ضبط الزوج، فيما أظهرت التحقيقات تعرضها لطعنتين نافذتين، ووقوع الجريمة أمام أطفالهما.
وفي المقطم بالقاهرة، اعتدى زوج على زوجته وابنته عقب مشادة كلامية، ما أسفر عن إصابة الزوجة بكدمات ونزيف داخلي في المخ، بينما تعرضت الابنة لكدمات. وفي مدينة 15 مايو بالقاهرة، تحولت جلسة صلح مرتبطة بخلافات أسرية إلى جريمة قتل، بعدما أطلق أحد الأشخاص النار على الحاضرين، ما أسفر عن مقتل أربعة أشخاص، بينهم ابنته، وإصابة نجله. وأُعلن في 19 آب/أغسطس عن إحالته إلى المحاكمة الجنائية.
وامتد العنف إلى الأطفال، إذ رصدت الأجهزة الأمنية في البدرشين بمحافظة الجيزة مقطع فيديو يوثق اعتداء أب على ابنه البالغ 9 سنوات بالضرب، بعد مغادرة الطفل المنزل والتوجه إلى والدته، وفق ما نشرته وسائل الإعلام.
وفي المعصرة، قُتلت زوجة على يد زوجها بعدما اعتدى عليها بعصا خشبية، فيما ربطت التحريات الواقعة بخلافات زوجية. كما باشرت النيابة العامة التحقيق في مقتل امرأة على يد زوجها المسن في أوسيم بالجيزة، على خلفية خلافات أسرية.
وفي السيدة زينب بالقاهرة، استغاثت امرأة عبر مقطع فيديو بعد تعرضها للضرب والسب على يد نجليها بسبب خلاف مالي، وفق وزارة الداخلية، التي أعلنت ضبط الابنين وإقرارهما بارتكاب الواقعة.
العنف لا ينتهي بانتهاء الاعتداء
وبعيداً عن الأرقام والوقائع الجنائية، فإن الوجه الأكثر خطورة للعنف الأسري قد يكون ذلك الذي لا يظهر في محاضر الشرطة ولا تلتقطه كاميرات المراقبة، وإنما يستقر داخل نفس الطفل أو المرأة التي تعرضت له.
وفي قراءة للأبعاد الاجتماعية والنفسية للظاهرة، أكدت الدكتورة يارا إبراهيم محمد إبراهيم، أستاذة مناهج الطفل وعميدة سابقة لكلية التربية للطفولة المبكرة بجامعة أسيوط، أن العنف الأسري أصبح من القضايا الاجتماعية والنفسية الملحّة، لما يتركه من آثار عميقة على الأطفال وتكوينهم النفسي والسلوكي.
وأوضحت أن الظاهرة لا يمكن اختزالها في سبب واحد، وإنما تقف وراءها مجموعة متشابكة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والثقافية، مشيرة إلى أن الضغوط التي تتعرض لها بعض الأسر قد تتحول، في ظل غياب آليات صحية للتعامل معها، إلى عنف لفظي أو نفسي أو جسدي.
وأكدت أن آثار العنف لا تتوقف عند الضحية المباشرة، وإنما تمتد إلى بقية أفراد الأسرة، وعلى رأسهم الأطفال، الذين قد يجدون أنفسهم أمام صراع نفسي شديد عندما يرون الأب والأم، وهما مصدر الأمان والرعاية بالنسبة إليهم، في صورة المعتدي والضحية.
وهذا التناقض، بحسب يارا إبراهيم، قد يترك أثراً عميقاً في شخصية الطفل، خصوصاً عندما يتكرر أمامه العنف ويصبح جزءاً مألوفاً من الحياة اليومية.
حين يتعلم الطفل أن العنف لغة للحوار
الأخطر أن الطفل لا يكتفي بمشاهدة العنف، بل قد يتعلم منه. فحين يرى أن الخلافات تُحسم بالصراخ والتهديد والضرب والإهانة، قد يترسخ لديه تدريجياً تصور بأن العنف وسيلة مقبولة للتعامل مع النزاعات. ومع مرور الوقت، يمكن أن يعيد إنتاج السلوك نفسه في علاقاته المستقبلية، لتنتقل دائرة العنف من جيل إلى آخر.
وتؤكد يارا إبراهيم أن العنف ضد الأطفال لا يقتصر على الضرب، بل يشمل الإهانة والشتائم والوصم والتنمر والإساءة النفسية، وهي ممارسات قد تترك آثارًا طويلة المدى على ثقة الطفل بنفسه وتوازنه النفسي.
الإعلام بين كشف المشكلة وتطبيعها
وترى أن التعامل الإعلامي مع وقائع العنف يحتاج أيضاً إلى قدر كبير من المسؤولية، محذرة من التركيز المفرط على النماذج السلبية، خصوصاً في ظل الانتشار الواسع لمحتوى وسائل التواصل الافتراضي، فتكرار عرض السلوكيات العنيفة بطريقة تفتقر إلى السياق التوعوي قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى تطبيعها بدلاً من ترسيخ رفضها، خصوصاً لدى الأطفال والمراهقين.
ولهذا، ينبغي أن تقدم النماذج السلبية باعتبارها تحذيراً من السلوك الخاطئ وعواقبه لا باعتبارها مشاهد متكررة للاستهلاك أو التقليد، بالتوازي مع تعزيز النماذج الإيجابية والقدوة الحسنة داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع، كما توضح يارا إبراهيم.
الوقاية قبل وقوع الأزمة
ودعت يارا إبراهيم إلى التوسع في برامج الإرشاد والتأهيل للمقبلين على الزواج، مؤكدة أن الزواج لا ينبغي أن يُختزل في مناسبة أو احتفال، وإنما يجب النظر إليه باعتباره مسؤولية وتأسيسًا لأسرة لها حقوق وواجبات والتزامات.
ومن شأن هذه البرامج أن تساعد المقبلين على الزواج على فهم الأدوار والحدود والحقوق والواجبات، إلى جانب اكتساب مهارات إدارة الخلافات والتعامل مع الضغوط الأسرية والانفعالات بصورة أكثر اتزاناً، فبناء أسرة مستقرة نفسياً لا يبدأ بعد وقوع المشكلة، وإنما يبدأ بوعي المرأة والرجل بطبيعة المسؤولية التي يتحملانها، وبأهمية أن تكون الأسرة بيئة آمنة للأطفال، لا ساحة للصراع.
المدرسة... خط دفاع مبكر
وشددت يارا إبراهيم على ضرورة تعزيز دور المؤسسات التعليمية في الوقاية من العنف، بحيث تبدأ التوعية منذ مرحلة رياض الأطفال وتمتد عبر المراحل التعليمية المختلفة، بما يتناسب مع عمر الطفل واحتياجاته النفسية والاجتماعية.
كما تؤكد أهمية تعظيم دور الأخصائي النفسي داخل المدارس، باعتباره حلقة يمكن أن يلجأ إليها الطفل عندما يواجه مشكلة أسرية أو نفسية أو يتعرض للعنف، لافتةً إلى أن بعض الأطفال والمراهقين أصبحوا يلجؤون إلى أدوات الذكاء الاصطناعي للحديث عن مشكلاتهم والحصول على إرشادات أولية.
الدعم النفسي مساحة آمنة قبل فوات الأوان
وتتطلب مواجهة العنف التوسع في إنشاء مراكز للدعم النفسي والاجتماعي للنساء والأطفال وسائر الضحايا، بما يوفر لهم مساحة آمنة لطلب المساعدة والحصول على المشورة، باعتبار الدعم النفسي جزءاً أساسياً من منظومة الحماية إلى جانب التدخل القانوني.
وأكدت يارا إبراهيم أن مواجهة العنف الأسري لا يمكن أن تعتمد على القانون وحده، إذ تبدأ الوقاية بتغيير أنماط التفكير والتربية، ومراجعة المفاهيم التي تبرر السيطرة أو الإهانة أو الضرب، وتعزيز مهارات إدارة الخلافات داخل الأسرة.
كما أشادت بدور الدراما والإعلام في رفع الوعي، خاصة بالمخاطر الرقمية التي قد يتعرض لها الأطفال داخل المنزل دون علم الوالدين، مؤكدة أهمية تعزيز وعي الأسر بهذه المخاطر.