حين أغلقت الحرب نافذة الحرية الأخيرة للفتيات في إيران

كان السكن الجامعي في إيران بالنسبة إلى كثير من الفتيات فرصةً لاختبار الاستقلال والاعتماد على الذات، لكن الحرب وإغلاق الجامعات سلبتا الشابات هذه الفرصة، وأعادتا العديد منهن إلى القيود التي كنّ قد تحررن منها سابقاً.

سارة بورخزاري

كرماشان ـ في السكن الجامعي تخوض فتياتٌ كثيرات معركةً شاقة بكل ما أوتين من قوة، ففي ظلّ خياراتٍ لا تخلو من المرارة، يحاولن انتزاع نافذةٍ صغيرة نحو الحرية وقسطٍ من الاستقلال من قلب هذه الظروف القاسية.

في مجتمعٍ تحدد فيه القوانين والأعراف الذكورية كثيراً من أسس الحياة، لا تتمتع النساء بحرية التصرف حتى في أبسط احتياجاتهن الشخصية، فهنّ لا تستطعن اتخاذ قراراتهن استناداً إلى حاجاتهن فحسب، بل يتوجب عليهن إيجاد مبرر مقبول أو سبب قهري لكل اختيار، كي يكتسب سلوكهن شرعية في نظر الأسرة والمجتمع، وفي مثل هذا البناء الاجتماعي، لا يُنظر إلى استقلال المرأة بوصفه حقاً طبيعياً، بل باعتباره أمراً مثيراً للريبة وغير مستحب.

 

الدراسة فرصة لتجربة الاستقلال

فعلى سبيل المثال، لا يُسمح للفتيات بالعيش في مدينة أخرى لمجرد حاجتهن إلى الاستقلال أو التطور الشخصي؛ إذ يُعد هذا القرار، وفق المنطق الأبوي السائد، سلوكاً غير مقبول وغير لائق، لكنّ الخيار ذاته يصبح أكثر قبولاً حين تقف خلفه ضرورة اجتماعية أو أكاديمية، فتخفّ وطأة الأحكام والانتقادات.

وفي السنوات الأخيرة، استطاعت كثير من الشابات أن يعشن في مدن أخرى بحجة مواصلة الدراسة، وأن يقمن في السكنات الجامعية، فلقد تحولت الدراسة بالنسبة إليهن إلى درعٍ يتيح لهن الحصول على إذن ضمني من الأسرة والمجتمع لخوض تجربة محدودة من الاستقلال، ورغم أن هذا الاستقلال بقي محكوماً بالقيود والرقابة، فإنه مثّل بالنسبة إلى كثيرات أول فرصة حقيقية لاتخاذ قرارات تخص حياتهن.

 

 

تروي ستاره. ق قصة صديقتها رؤيا. ي، التي تعيش منذ سنوات في السكن الجامعي بجامعة رازي في كرمنشان، فتقول "منذ أكثر من ست سنوات وهي تدرس في هذه الجامعة، وكلما اقترب موعد تخرجها، كانت تسعى للالتحاق بمرحلة دراسية أعلى كي تتمكن من البقاء في السكن الجامعي. كانت تقول دائماً إن العودة إلى قريتها الواقعة قرب سنه تشبه الكابوس بالنسبة إليها؛ كابوس يدفعها إلى الدراسة بكل ما تملك من طاقة كيلا تضطر إلى الرجوع".

في السكن الجامعي كانت تعيش حياة مختلفة؛ سعيدة ومفعمة بالحيوية، تطهو طعامها بنفسها، وتمارس الرياضة في ساحة السكن، وتمكنت تدريجياً من إيجاد أعمال صغيرة توفر لها دخلاً مستقلاً "لقد صنعت لنفسها هناك حياة خاصة ومستقلة؛ حياة لم يكن بإمكانها أن تعيشها في القرية، لا من حيث الإمكانات ولا من حيث السماح لها بذلك، وكانت تردد دائماً: هذا أول مكان أستطيع أن أكون فيه نفسي بلا خوف أو قيود".

وأشارت إلى أن صديقتها لم تكن تنظر إلى السكن الجامعي بوصفه مجرد مكان للإقامة، بل باعتباره منزلاً اختارته بنفسها؛ مكاناً منحها فرصة اختبار الحرية والنمو الشخصي وبناء مستقبل مختلف.

 

 

انهيار حياة بُنيت بشق الأنفس

بسبب الضغوط الاجتماعية التي تحول دون عيش النساء باستقلال كامل، فضلاً عن الظروف الاقتصادية التي تمنعهن من استئجار مساكن خاصة، أصبح السكن الجامعي الملاذ الوحيد لهن في المدن الأخرى؛ المكان الذي يمكنهن فيه تذوق الحد الأدنى من الحياة المستقلة.

غير أن اندلاع الحرب وإغلاق الجامعات أجبر هؤلاء الفتيات على العودة إلى منازلهن العائلية؛ عودة لم تكن بالنسبة إلى كثيرات سقوطاً مفاجئاً في الدائرة نفسها من الضغوط والعنف التي أمضين سنوات يحاولن التحرر منها.

وقد خلّفت هذه العودة القسرية آثاراً نفسية عميقة، ففقدان الاستقلال، والانقطاع عن الأصدقاء والبيئة الجامعية، والعودة إلى فضاء يستحضر ذكريات سنوات القمع، كلها عوامل جعلتهن يشعرن بأن مسارهن نحو النمو والحرية قد انهار في لحظة واحدة.

لكن ما يزيد الأمر قسوة أن إغلاق السكنات الجامعية، الذي بدا في البداية نتيجة مؤقتة للحرب، ما زال مستمراً، كما أن الظلال الثقيلة للحرب ألقت بعبئها على الأسر، فازدادت البيوت انغلاقاً وتشددت أشكال الرقابة داخلها.

الفتيات اللواتي ذقن، ولو لفترة محدودة، طعم الاستقلال وحرية الحركة والتنفس خارج المراقبة المستمرة للأسرة، لم يُحرمن فقط من ذلك بل فقد بعضهن حتى حق الخروج من المنزل، وقد شكل هذا التقييد المفاجئ صدمة خانقة لكثيرات منهن.

 

 

تقول فرنكيس. ف الناشطة في مجال حقوق المرأة، إن التوق إلى الحرية متجذر بعمق في طبيعة كل إنسان، ولا تستطيع أي سلطة أن تقضي عليه بالكامل، غير أن هذا التوق يكتسب لدى النساء بعداً أكثر حدة، لأنهن تحملن عبر التاريخ النصيب الأكبر من القيود المفروضة على الحرية والاستقلال، ولهذا السبب لجأت كثير من الفتيات إلى السكنات الجامعية؛ ليس لأنها أماكن مثالية أو خالية من العيوب، بل على العكس تماماً، فهذه السكنات نفسها تخضع لقيود كثيرة، ولوائح صارمة، ورقابة دائمة تجعلها أشبه بسجن صغير، ومع ذلك، فإن هذا الفضاء شبه المقيد يظل بالنسبة إلى كثير من الفتيات أكثر احتمالاً من الاختناق الذي يعشنه داخل المنزل.

تجد هؤلاء الفتيات أنفسهن أمام خيارين بحسب محدثتنا "إما منزل يخنق الحرية من جذورها، أو بيئة تخضع للرقابة لكنها تفتح، رغم كل شيء، نافذة صغيرة نحو الاستقلال الشخصي، ومن الطبيعي أن تختار كثيرات الخيار الثاني، لأن كل ما تسعين إليه هو العثور على طريق، مهما كان ضيقاً وهشاً، يقودهن إلى حياة أكثر استقلالاً".

 

 

لكن العودة القسرية إلى المنزل أطفأت حتى هذا البصيص من الأمل "كثير من الأسر، بسبب ظروف الحرب، لم تكتفِ بمنع بناتها من مواصلة الدراسة، بل رفضت أيضاً السماح لهن بالعودة إلى السكن الجامعي، ونتيجة لذلك، وجدت فتيات بدأن خطواتهن الأولى نحو بناء مستقبل مستقل أنفسهن فجأة أمام واقع الانقطاع القسري عن التعليم".

وبعد هذا الانقطاع المفروض، لا يبقى أمام كثيرات منهن أي خيار سوى الزواج القسري تحت ضغط الأسرة؛ خيار لا ينبع من الرغبة أو القناعة، بل يُفرض عليهن بسبب انعدام البدائل، وهذا المسار الإجباري لا يمثل بالنسبة إلى العديد من الفتيات مجرد خيبة أمل، بل يشبه عملية إطفاء بطيئة لأحلامهن وقدراتهن الشخصية.