فلسطينية ينهش السرطان جسدها بانتظار تحويلة طبية للخارج

تعيش إسلام عرفات داخل خيمة في غزة، بعدما أفقدها السرطان قدرتها على المشي والجلوس. وبين ألم ينهش جسدها وتحويلة طبية لا تفتح لها طريق الخروج، تنتظر فرصة للوصول إلى العلاج قبل أن يشتد مرضها أكثر.

نغم كراجة

فلسطين ـ لم تكن إسلام عرفات، البالغة من العمر 30 عاماً، تعلم أن الألم الذي لازمها لأشهر لم يكن عارضاً صحياً عابراً، بل كان يخفي وراءه ورماً سرطانياً انتشر في جسدها. كانت النازحة من شرق مدينة غزة بفلسطين تظن في البداية أنها تعاني من "شرخ"، قبل أن يكشف الأطباء في مجمع الشفاء الطبي عن ورم متضخم، ويشخصوا إصابتها، بحسب روايتها، بسرطان انتشر في القولون والمستقيم والكبد والرئة والغدد الموجودة في منطقة الحوض.

اليوم، تعيش إسلام عرفات داخل خيمة في وسط قطاع غزة، بعدما فقدت قدرتها على المشي والجلوس بصورة طبيعية، لديها تحويلة طبية للعلاج خارج القطاع، لكنها لا تزال تنتظر أن تتمكن من مغادرة غزة والوصول إلى الرعاية التي تحتاج إليها.

توضح أن الأطباء أخبروها أن المرض كان موجوداً في جسدها منذ نحو عامين على الأقل، من دون أن تعرف بإصابتها طوال تلك الفترة، ومع بداية الحرب، كانت تعيش نازحة في مدرسة تحولت إلى مركز إيواء في شمال القطاع قبل أن تتعرض المدرسة للحصار والقصف.

تستعيد تلك اللحظات باعتبارها واحدة من أكثر التجارب قسوة في حياتها، وتقول إن مواد متفجرة ألقتها طائرات القوات الإسرائيلية على مركز الإيواء الذي نزحت إليه وتسببت في اختناق النازحين "أطلقوا علينا قنابل ومواد تسببت في اختناقنا، ولم أتمكن من التنفس بصورة طبيعية، كان الجميع يتقيأ، بينما بقيت أنا أعاني من الاختناق".

كان بين الناجين أفراد من عائلتها، فيما فقد آخرون حياتهم. في البداية، لم تتوقع أن يكون الأمر سرطاناً، كانت تظن أنها تعاني من مشكلة صحية بسيطة، قبل أن تكشف العملية عن ورم متضخم "كنت أعتقد أنني أعاني من شرخ، وعندما ذهبت لإجراء العملية، اكتشف الأطباء وجود ورم متضخم، ومن هنا اكتُشف المرض".

وبحسب روايتها لتشخيصها، لم يبق المرض محصوراً في مكان واحد، بل امتد إلى القولون والمستقيم والكبد والرئة والغدد في منطقة الحوض، ومع انتشار المرض، أصبح الألم هو أكثر ما يحدد تفاصيل يومها.

تصف كيف انتزع المرض منها أبسط تفاصيل الحياة "أصبح المرض يؤثر عليّ بدرجة كبيرة؛ فلا أستطيع الوقوف أو الجلوس، وأقضي يومي كله مستلقية على ظهري، ولم أعد قادرة على المشي أو الجلوس، كل ما أتمناه أن أجلس مثل بقية الناس، وأن أمشي مثلهم"، كما لا تستطيع تدبير احتياجاتها اليومية بمفردها، داخل الخيمة، تعتمد على أفراد من عائلتها في مساعدتها على الحركة والعناية بها.

 

مريضات السرطان في مواجهة الحرب

لا تقف معاناة إسلام عرفات عند حدود حالتها الفردية. فمريضات السرطان في غزة واجهن، منذ بداية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة 2023، اضطرابات في العلاج والنزوح وتراجع الوصول إلى الخدمات الصحية، وهي عوامل تزيد العبء الجسدي والنفسي للمرض.

بالنسبة إلى إسلام عرفات، انعكست هذه الأزمة مباشرة على رحلة علاجها، فهي تتلقى العلاج الكيميائي في مجمع الشفاء، وتقول إن الحصول على الجرعة يستنزفها لساعات من الانتظار والإجراءات "نحن مرضى، ومن المفترض أن نحصل على قدر من الراحة، لكننا للأسف ننتظر ثلاث أو أربع ساعات لاستكمال الإجراءات والحصول على جرعة العلاج الكيميائي".

وتضيف "نجلس أحياناً بجوار القمامة في انتظار أن نتمكن من الصعود والجلوس على سرير لتلقي الجرعة. إن ظروف العلاج صعبة جداً".

 

تحويلة طبية لا تفتح الطريق

حصلت إسلام عرفات على تحويلة طبية للعلاج خارج القطاع، لكن وجود التحويلة لم يعنِ قدرتها على السفر، ووفق منظمة الصحة العالمية، يحتاج المرضى الذين تتطلب حالاتهم رعاية غير متوفرة في غزة إلى مسار إجلاء طبي يتضمن إحالة وموافقات وتنسيقاً مع الجهات المعنية، ولا تعني الإحالة الطبية وحدها خروج المريض من القطاع.

وتظهر صعوبة هذا المسار في حجم الحاجة إلى الإجلاء الطبي. ففي كانون الثاني/يناير 2026، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن أكثر من 18,500 شخص، بينهم نحو 4,000 طفل، كانوا بحاجة بصورة عاجلة إلى الإجلاء الطبي لتلقي رعاية غير متوفرة داخل القطاع.

وفي 27 كانون الثاني/يناير، قالت وزارة الصحة في غزة، وفق OCHA، إن نحو 4,000 مريض سرطان كانوا على قوائم انتظار حرجة للإجلاء، وإن 1,268 مريضاً توفوا، وفق الوزارة، أثناء انتظار مغادرة القطاع للحصول على رعاية طبية عاجلة.

ولا تعني هذه الأرقام أن جميع المرضى على قوائم الانتظار محرومون من السفر للسبب نفسه؛ فلكل حالة مسار طبي وإجرائي مختلف لكنها تكشف اتساع أزمة الإجلاء التي تجد إسلام نفسها داخلها.

وناشدت إسلام عرفات في ختام حديثها منظمة الصحة العالمية "أطالبها بمساعدتي وتمكيني من السفر حتى أتلقى العلاج، أنا في غزة لا أستطيع الحصول على العلاج الذي أحتاج إليه، وأريد أن أتعالج كما يجب، وينتهي هذا الألم، وهذا الحصار الظالم على غرة".

وبين مرض منتشر في جسدها، وألم لا يفارقها، وتحويلة طبية لم تتحول إلى رحلة علاج، أصبحت إسلام عرفات عالقة بين حاجتها الملحة إلى العلاج وبين طريق خروج لا تستطيع فتحه بنفسها، وتنتظر فرصة علاج قد تصل قبل أن يصبح الألم أقوى من قدرتها على الاحتمال.