باحثة مغربية تدعو إلى توفير فضاء رقمي آمن للأطفال

يشهد العالم الرقمي تحولات عميقة جعلت حماية الأطفال من العنف الإلكتروني قضية حقوقية تتجاوز حدود النقاش حول الاستخدام الآمن للتكنولوجيا، إذ باتت ترتبط بقدرة الدول والمجتمعات على صون كرامة الطفل وضمان أمنه داخل بيئة رقمية متسارعة.

رجاء خيرات

المغرب ـ يتعرض الأطفال بشكل كبير للعنف الرقمي، مما يستوجب توفير الحماية لهم دون حرمانهم من استخدام الإنترنت، وحمايتهم من كل أشكال الأذى مثل التنمر الإلكتروني والابتزاز والتحرش ونشر الصور دون إذن.

ترى الباحثة في القانون الدولي والذكاء الاصطناعي صوفيا البزاز أن الحديث عن حماية الأطفال من العنف الرقمي لم يعد يندرج ضمن النقاش المرتبط بالاستخدام الآمن للتكنولوجيا فقط، وإنما أصبح يرتبط بصورة مباشرة بمدى قدرة الدول والمجتمعات على حماية حقوق الطفل في ظل التحولات التي يشهدها العالم بفعل الرقمنة.

خاصة وأن الطفل لم يعد يتفاعل داخل فضاء مادي فقط، بل أصبح جزءاً من بيئة رقمية تؤثر في تكوينه النفسي والاجتماعي والثقافي، وهو ما يفرض إعادة التفكير في مفهوم الحماية ذاته، بحيث لا يقتصر على الحماية في الواقع، وإنما يمتد ليشمل كل ما قد يهدد الطفل داخل البيئة الرقمية.

وأضافت أن العنف الرقمي، يقصد به كل فعل أو سلوك يتم باستعمال الوسائط الرقمية ويترتب عنه المساس بسلامة الطفل أو كرامته أو خصوصيته أو نموه السليم، سواء تعلق الأمر بالابتزاز الإلكتروني، أو الاستدراج والاستغلال الجنسي، أو نشر الصور والمعطيات الشخصية دون موافقة، أو خطابات الكراهية، أو تعريض الأطفال لمحتويات لا تتلاءم مع سنهم، وهي ممارسات قد لا تترك آثاراً جسدية، لكنها قد تخلف آثاراً نفسية واجتماعية عميقة تستمر لسنوات.

 

ظاهرة عابرة للحدود         

وعن خطورة هذه الظاهرة، قالت صوفيا البزاز إنها لا تكمن فقط في انتشارها، وإنما أيضاً في طبيعتها العابرة للحدود، لأن مرتكب الفعل قد يوجد في بلد، والضحية في بلد آخر، والمنصة المستعملة في بلد ثالث، وهو ما يجعل حماية الأطفال من العنف الرقمي تقتضي تعاوناً قانونياً ومؤسساتياً يتجاوز الحدود الوطنية، خاصة وأن الفضاء الرقمي بطبيعته لا يعترف بالحدود الجغرافية.

وأكدت أن المؤشرات الدولية تشير إلى أن الأمر لم يعد يتعلق بحالات فردية، فبحسب الأمم المتحدة فأن أكثر من ثلث الأطفال والشباب في ثلاثين دولة تعرضوا للتنمر الإلكتروني، كما أن واحداً من كل خمسة أطفال تغيب عن الدراسة بسبب الآثار النفسية المترتبة عنه، في الوقت الذي تشير فيه الإحصاءات إلى أن الأطفال يمثلون ما يقارب ثلث مستخدمي الإنترنت في العالم، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد الذي توليه المنظمات الدولية، وفي مقدمتها اليونيسف ولجنة حقوق الطفل، لمسألة حماية الأطفال في البيئة الرقمية باعتبارها امتداداً طبيعياً للحقوق التي يتمتع بها الطفل خارجها.

ولفتت إلى أنه "في المغرب نجد أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي تناول هذه القضية من خلال رأيه الاستشاري حول "من أجل بيئة رقمية دامجة توفر الحماية للأطفال"، حيث أكد أن الاستفادة من التكنولوجيا يجب أن تسير جنباً إلى جنب مع توفير الضمانات القانونية والتربوية والتقنية الكفيلة بحماية الأطفال، كما أوصى بإدماج التربية الرقمية في المناهج التعليمية، وتعزيز مسؤولية المنصات الرقمية، وتطوير التشريعات الوطنية بما يواكب التطور المتسارع للتكنولوجيا".    

    

تمكين الأطفال بدل منعهم

واعتبرت صوفيا البزاز أن أول خطوة نحو حماية الأطفال تتمثل في الانتقال من ثقافة المنع إلى ثقافة التمكين، لأن الطفل الذي يتلقى تربية رقمية سليمة سيكون أكثر قدرة على حماية نفسه من الطفل الذي يُمنع من استخدام التكنولوجيا دون أن يمتلك الأدوات التي تساعده على التعامل معها عند أول فرصة لاستعمالها، ولذلك فإن الرهان الحقيقي ينبغي أن ينصب على بناء الوعي الرقمي، وليس على فرض القيود.

كما دعت الأسر بأن تتحول اليوم من جهة تمارس الرقابة إلى فضاء يوفر الثقة والحوار، لأن أغلب الأطفال الذين يتعرضون للتنمر أو الابتزاز يفضلون الصمت خوفاً من العقاب أو من حرمانهم من الأجهزة الإلكترونية، بينما أثبتت العديد من الدراسات أن وجود تواصل دائم بين الآباء والأبناء يقلل بشكل كبير من احتمال استمرار الطفل في التعرض للعنف دون طلب المساعدة.

وأوضحت أن دور المؤسسة التعليمية لا يقل أهمية عن دور الأسرة، لأن المدرسة لم تعد مطالبة فقط بنقل المعرفة، وإنما أيضا بإعداد مواطن رقمي واعٍ بحقوقه وواجباته، وهو ما يقتضي إدراج التربية الرقمية ضمن البرامج التعليمية، حتى يكتسب الطفل مهارات التفكير النقدي، وحماية المعطيات الشخصية، والتعامل المسؤول مع وسائل التواصل الافتراضي ومع تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي أصبحت جزءاً من حياته اليومية.

وقالت "في المقابل، لا يمكن إعفاء المنصات الرقمية من مسؤوليتها، لأن التطور التقني الذي يسمح لها بتحليل سلوك المستخدمين واقتراح المحتويات والإعلانات، يمكن توظيفه أيضاً في الكشف المبكر عن حالات التنمر والاستغلال والابتزاز، وهو ما يفرض تعزيز مسؤوليتها القانونية والأخلاقية في حماية الأطفال، خاصة أن التكنولوجيا يجب أن تكون جزءاً من الحل، لا سبباً في تعميق المشكلة".

 

بنية رقية آمنة

وأكدت أن مواجهة العنف الرقمي لا يمكن أن تتحقق من خلال تدخل جهة واحدة، بل تقتضي تكاملاً بين الأسرة، والمؤسسة التعليمية، والسلطات العمومية، والمجتمع المدني، وشركات التكنولوجيا، لأن حماية الأطفال في العصر الرقمي أصبحت مسؤولية مشتركة تتطلب تضافر الجهود ووضع سياسات عمومية تستند إلى الوقاية، والتوعية، والحماية القانونية، والمواكبة النفسية والاجتماعية.

واختتمت صوفيا البزاز حديثها بالقول أن الرهان الحقيقي اليوم لا يتمثل في إبعاد الأطفال عن العالم الرقمي، لأن ذلك لم يعد خياراً واقعياً، وإنما في تهيئة بيئة رقمية أكثر أمناً، تتيح لهم الاستفادة من الإمكانات الهائلة التي توفرها التكنولوجيا، مع ضمان احترام حقوقهم وصون كرامتهم وحمايتهم من كل أشكال العنف والاستغلال، لأن الطفل الذي يشعر بالأمان في البيئة الرقمية هو طفل أكثر قدرة على التعلم، والإبداع، والمشاركة الإيجابية في بناء المستقبل.