انقطاع الإنترنت في إيران جريمة صامتة تطال المجتمع بأكمله

ما يحدث في إيران ليس مجرد "انقطاع للإنترنت" بالمعنى المتعارف عليه، بل هو جريمة صامتة تستهدف في الوقت نفسه الاقتصاد والصحة والذاكرة والأسرة والنفسية، فإذ كان القتل يفتك بالجسد فإن التعتيم المفروض يقتل القدرة على الحداد ومعرفة الأخبار والتضامن.

شيلان سقزي

مركز الأخبار ـ لم يعد انقطاع الإنترنت في إيران مجرد خلل تقني، بل تحوّل إلى أزمة سياسية مستمرة منذ 54 يوماً، تعزل معظم السكان عن العالم، هذا الانقطاع الذي تزامن مع الحرب والضغوط الأمنية والاقتصادية وضع المجتمع في حالة يصعب معها الوصول إلى المعلومات الموثوقة.

تسبب انقطاع الانترنت في إيران بعزل الناس عن أحبّتهم وتعطيل أعمالهم ودخلهم وتعليمهم ورعايتهم الصحية، فعندما تختار السلطات قطع الاتصالات بدل حمايتها، فإنها لا توقف الإنترنت فقط، بل تقطع العلاقة بين الأفراد والعالم، ومن منظور نفسي فإن هذا القطع يتجاوز الجانب التقني ليصبح قطعاً للعلاقة الإنسانية ذاتها، وتشير تقارير مؤسسات الرصد إلى أن هذا الوضع بدأ مع اندلاع الحرب نهاية شباط/فبراير 2025 واستمر لفترة غير مسبوقة منذ ذلك الحين.

وعلى مستوى الطب النفسي الاجتماعي، يظهر أول تأثير لهذا التعتيم فيما يمكن وصفه بـ"الغموض المُشل"، فالعقل البشري قادر على مواجهة الخطر الواضح مهما كان شديداً، أكثر من قدرته على تحمل الخطر الغامض، لأن الغموض يُبقي الجهاز العصبي في حالة تأهب مستمر، وعندما يجهل الفرد ما إذ كان هجوم قادماً، أو أين قد يمتد الخطر أو ما إذا كانت الأخبار صحيحة، يدخل الجسم في حالة يقظة مزمنة تؤدي إلى الأرق وتسارع ضربات القلب، وتشتت التركيز، ونوبات غضب غير مبررة، وخدر عاطفي، وشعور بفقدان السيطرة.

وفي إيران، لا يعود هذا الغموض إلى الحرب وحدها، بل إلى حرمان متعمد من المعلومات، ويصف معهد "تشاتام هاوس" هذا النهج بأنه "رقمنة العزلة"، أي الانتقال إلى عزلة رقمية طويلة الأمد، حيث تعمل السلطات على ترسيخ انفصال رقمي بنيوي، لا مجرد انقطاع مؤقت، وبهذا يصبح الصمت ذاته أداة من أدوات الحكم.

الضربة الثانية هي قطع الروابط العاطفية بين الناس، فبالنسبة للملايين الإنترنت ليس مجرد وسيلة ترفيه أو عمل بل هو جسر يربط بين أفراد العائلة المشتتين، في روايات من بقوا خارج إيران تُختزل الحياة إلى علامتين على رسالة زرقاء أو رمادية، متصلة أو منقطعة، هادئة أو متوترة، هذه الحالة من الانتظار بحد ذاتها تخلق حالة نفسية خاصة، يُحدّث الشخص الصفحة باستمرار بينما يحاول عقله تحويل الشك إلى يقين، ولكن في كل مرة لا تصل فيها إشارة يتعمق القلق، يشير موقع "ريست أوف وورلد" إلى هذا الوضع بـ"واقع التواصل العائلي في إيران"، موضحاً أنه في عصر الانقطاع، حتى أبسط المحادثات تُصاحبها طبقة من الحذر والرقابة الذاتية والخوف من الانكشاف، كما أظهرت دراسات سابقة أن التواصل الرقمي مصدر مهم للراحة النفسية للعائلات المشتتة، فعندما ينقطع هذا المصدر لا تكون الرسالة الاجتماعية الوحيدة هي "الصمت"، بل تفاقم الحزن الدفين والشعور بالوحدة المفروضة.

يُنظر إلى حرمان الإيرانيين من الإنترنت كسياسة تُضعف الروابط الأسرية، إذ تعتمد العائلات في الأزمات على الأخبار والاتصال للاطمئنان على أحبائها، ومع الانقطاع المستمر تلجأ الأسر إلى مكالمات قصيرة أو رسائل متقطعة غالباً ما تفشل تحت ضغط الرقابة، ما يخلق توتراً نفسياً حاداً يجعل كل رسالة تبدو وكأنها قد تكون الأخيرة، هذا الانقطاع لا يضر بالعاطفة فقط، بل يرهق الجهاز العصبي الذي يتأرجح بين الأمل والخوف، مؤدياً إلى إرهاق وانفعال وشعور بالفراغ.

 

 

اقتصادياً

تسبّب انقطاع الإنترنت في إيران بخسائر اقتصادية ضخمة، وانخفضت نسبة الوصول إلى الشبكة العالمية إلى نحو 2% فقط، بينما يحصل عدد محدود من الفئات على اتصال انتقائي عبر ما يُعرف بـ"الشرائح البيضاء"، ما يعمّق الشعور بالتمييز ويدفع إلى ازدهار السوق السوداء للاتصال، وهكذا يتحول الانقطاع من إجراء أمني إلى وسيلة لإدارة المجتمع عبر العزل.

ويمتد تأثير التعتيم الرقمي إلى محو الحقيقة الجماعية، إذ تختفي المعلومات الموثوقة في زمن الحرب لتحل محلها الشائعات والخوف، وقد حذرت منظمات دولية من أن هذا الانقطاع يهدد الأرواح ويعطل الوصول إلى الغذاء والدواء ويزيد الصدمات النفسية، وترى مؤسسات بحثية أن ما يجري خطوة نحو "عزلة رقمية" تُغلق فضاء المعلومات وتُقصي المجتمع عن الواقع المشترك.

هذا الصمت الرقمي يُعد شكلاً من العنف المعرفي، لأنه يسلب الناس القدرة على فهم ما يحدث حولهم، ويدفعهم إلى تخيّل أسوأ السيناريوهات، ما يؤدي إلى تآكل الثقة وظهور حالة من العجز المكتسب، كما ينعكس الانقطاع على الصحة الجسدية، إذ يعطل الوصول إلى المعلومات الطبية وتنسيق العلاج، وهو ما يزداد خطورة في زمن الحرب.

 

 

وتخلق هذه السياسات عزلة جماعية يشعر فيها المواطنون بأن الاتصال بالعالم امتياز لا حق، ما يرسخ نظاماً طبقياً في الوصول إلى المعلومات، ويشبه هذا الوضع حصاراً "نفسياً رقيماً" يُغلق نوافذ المعرفة تدريجياً، ويحوّل الصمت إلى أداة للسيطرة، وفي النهاية لا يُعدّ ما يحدث مجرد انقطاع للإنترنت، بل اعتداء صامت يطال الاقتصاد والصحة والذاكرة والعلاقات الإنسانية، ويعطل الحياة اليومية بأكملها.