العنف ضد النساء في إيران... منظومة قمع تمتد من الأسرة إلى الدولة

جينو خاطرويسي

ترتبط حياة النساء في إيران بسلسلة من أشكال العنف المتشابكة والمتداخلة، تبدأ داخل الجدران الأربعة للمنزل وتمتد إلى الشارع ومكان العمل وسائر الفضاءات العامة.

ففي هذه الجغرافيا، وقبل أن تتاح للمرأة فرصة اختبار الفاعلية والتحرر بوصفهما تعبيراً عن تجربتها المعيشة، تجد نفسها في مواجهة معركة يومية من أجل الحفاظ على الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية في مختلف مناحي الحياة. ولا تقتصر معاناة النساء هنا على كونها قضية شخصية أو فردية، بل تتجذر في بنية نظام يرى في فرض السيطرة الشاملة على الجسد، وتقييد الحريات، وترسيخ التبعية على نصف المجتمع، أدواتٍ أساسية لضمان استمراره وبقائه.

داخل مؤسسة الأسرة، يظهر هذا العنف للمرة الأولى بصورة عارية وخفية ومنهجية في آن واحد. فمنذ مرحلة الطفولة، تبدأ أشكال التمييز القائم على النوع الاجتماعي بتفضيل الذكور وتقييد حريات الفتيات، وتستمر في مرحلة البلوغ من خلال ظواهر مثل الزواج القسري، وزواج الأطفال، والحرمان من الحق في التعليم.

كما يتخذ العنف الأسري أشكالاً متعددة، من الضرب والإيذاء النفسي واللفظي، والإهانة المستمرة، وسلب الحق في اتخاذ القرارات المتعلقة بالحياة الشخصية، إلى فرض رقابة دقيقة على حركة المرأة وتنقلاتها؛ بما يخلق بيئة خانقة تُحاصر فيها المرأة.

وفي هذا السياق، تعمل التقاليد العشائرية البالية والثقافة الأبوية المحلية على إنتاج مآسٍ مثل جرائم القتل بدعوى الشرف، وحالات إحراق النساء لأنفسهن تحت الإكراه، وأشكال العنف المروعة القائمة على مفهوم "لشرف"، لتبعث إلى النساء برسالة مفادها أن مجرد الخروج عن التقاليد قد يكلفهن حياتهن.

ويعود البحث في جذور هذه القضية إلى نشوء نظام الدولة ـ الأمة وإلى السلطة الذكورية، وهما مرتبطان ارتباطاً مباشراً، إذ يدور هذا الشكل من العنف حول الذهنية الأبوية الموجودة في المجتمع، وكذلك الذهنية التي تشكلت داخل الأسرة. ولهذا السبب نشهد يومياً جرائم قتل تُنكر، باسم "الشرف"، وجود المرأة وتحولها إلى موضوع للامتلاك والتملك.

إن النظام الأبوي ـ الذكوري السائد في المجتمع يفرض على النساء روايةً من التقاليد البعيدة عن المنطق، بلغة وحشية ومخيفة، بحيث تصبح المرأة في حالة خوف دائم من أبسط مشكلة قد تواجهها، وقبل أن تتعرض لعنف يحطم روحها وإرادتها بالكامل، قد تلجأ إلى الانتحار، معتبرةً أنه الطريق الوحيد للخلاص من نظام الهيمنة والاستبداد.

ومع مغادرة المنزل والدخول إلى بيئة العمل والمجتمع، تتغير أشكال هذا العنف، لكنها لا تختفي. ففي سوق العمل، تواجه النساء أشكالاً عميقة من التمييز البنيوي، مثل الحصول على أجور أقل من الرجال، ووجود عوائق قانونية ومزاجية تحول دون وصولهن إلى المناصب الإدارية، فضلاً عن انعدام الأمن الوظيفي.

كما تتعرض كثير من النساء العاملات في المؤسسات الحكومية والخاصة يومياً للتحرش الجنسي اللفظي والسلوكي من جانب أصحاب العمل أو الزملاء الرجال، من دون وجود بنية قضائية أو حمائية آمنة تتيح لهن متابعة مطالبهن والانتصاف لحقوقهن. كذلك، تتحمل شريحة واسعة من النساء العاملات في القطاع غير الرسمي، أو العاملات الموسميات والعاملات في المناطق الحدودية، عبء الاستغلال الاقتصادي الشديد والمخاطر التي تهدد حياتهن.

أما الشوارع والأماكن العامة والفضاءات الحضرية، فقد تحولت بدورها إلى ساحات لممارسة السيطرة والعنف الذكوري. فمن دوريات الإرشاد وفرض قواعد اللباس الإلزامية، إلى الملاحقات والمطاردات المستمرة في الشوارع للسيطرة على جسد تعتبره الدولة تابعًا لها، تشكلت بيئة أمنية قمعية تستهدف النساء.

وفي الأماكن العامة ووسائل النقل والمواقف والحدائق، تتعرض النساء باستمرار للتعليقات والمضايقات والتحرش في الشوارع، وللأحكام الأخلاقية الموجهة ضدهن. وفي الوقت نفسه، يفرض الحضور الكثيف للقوات الأمنية والشرطية طبقة أخرى من العنف البنيوي على النساء؛ إذ تواجه أنشطتهن المدنية والطلابية، بل وحتى حياتهن اليومية، اتهامات سياسية وأمنية، تؤدي إلى الاعتقالات التعسفية والضغوط النفسية.

إن البنية القانونية والتشريعية والسياسية الحاكمة تؤكد جميع هذه الطبقات من العنف، وتنتجها وتعيد إنتاجها، من المنزل إلى الشارع ومكان العمل. فنظام الجمهورية الإسلامية في إيران ليس مجرد عامل في إعادة إنتاج هذه الأشكال من العنف، بل إن حياته الاستبدادية بأكملها تقوم على أساس القمع المنهجي، والسيطرة المطلقة على أجساد النساء، وترسيخ التمييز القائم على النوع الاجتماعي.

وقد عرفت القوانين المدنية والجنائية، بالاستناد إلى قراءة متشددة للشريعة، المرأةَ بوصفها مواطنة من الدرجة الثانية وتحتاج إلى وصاية الرجل. وتشكل العوائق المفروضة أمام الطلاق، وعدم المساواة في حق حضانة الأطفال، وعدم المساواة في الدية والشهادة، وحظر مغادرة البلاد من دون إذن الزوج، أدواتٍ قانونية تفتح المجال أمام الرجال والمؤسسات الحاكمة لممارسة الهيمنة.

إن الجمهورية الإسلامية، بما يتجاوز كونها نظاماً سياسياً، هي آلة قاتلة تستهدف الشرف والحرية والكرامة الإنسانية، ولا يوجد في طبيعتها الفاشية والذكورية أي مجال للمرونة. ولذلك، لا ينبغي أن تقتصر مقاومة هذا النظام على المطالب الإصلاحية والشكلية، بل يجب أن يكون الهدف النهائي هو اقتلاع هذا البناء من جذوره، بما يمهد الطريق أمام الحرية والتحرر الكاملين والشاملين وغير المشروطين للنساء.

ولتحقيق هذا الهدف، وفي الظروف الحساسة الراهنة وفي قلب ميدان المواجهة، فإن المهمة التاريخية للنساء والفتيات وجميع المناضلين من أجل حرية المرأة في إيران وشرق كردستان تتجاوز الاحتجاجات المرحلية، وتتطلب السير في طريق تفكيك البنية القائمة. وتتمثل الخطوة الأولى في تشكيل تنظيمات مستقلة، ودوائر ومجالس نسائية في الأحياء والمصانع والجامعات والمدارس، بعيداً عن سيطرة الأجهزة الأمنية، بهدف بناء بديل وتعزيز التضامن على نطاق شامل

وعلى المناضلين من أجل الحرية، من خلال إدراك الصلة بين الاستبداد السياسي والتقاليد البالية، أن يخوضوا نضالاً متواصلاً ومتزامناً ضد ذراعي الهيمنة هذين، وأن يحولوا الشوارع والفضاءات العامة إلى ساحات للمقاومة من خلال توسيع نطاق المقاومة المدنية، وأشكال العصيان الصغيرة والكبيرة، ورفض الحجاب الإجباري، والإضرابات في أماكن العمل والمؤسسات التعليمية.

إن ربط هذه النضالات في كردستان وبلوشستان وسائر مناطق إيران بالحركات التحررية، هو مفتاح تحويل الغضب المتناثر إلى جبهة موحدة، بحيث يؤدي في نهاية المطاف، مع الانهيار الكامل لهذا النظام الاستبدادي، إلى إقامة نظام جديد يقوم على المساواة الحقيقية والحرية الكاملة؛ نظام لا يحق فيه لأي دولة أو قانون أو رجل التدخل في حياة المرأة وجسدها ومصيرها، ويعيش فيه البشر، بصرف النظر عن أي تمييز على أساس الجنس، في سلام ومساواة تامة.