"الجبن بالأعشاب"... ستة أشهر تحت الأرض وسنوات من خبرة النساء
مع حلول فصل الصيف، تبدأ النساء بصناعة الجبن بالأعشاب، فيضفن إلى الموائد نكهةً مميزة بجهدٍ وعناية كبيرين.
مميهان هلبين زيدان
جولميرك ـ مع قدوم فصل الصيف، تبدأ في القرى والمراعي الجبلية بشمال كردستان الاستعدادات لصناعة الجبن بالأعشاب، وفي كل مرحلة من مراحل إنتاج هذا الجبن، الذي يُعدّ من ألذ المأكولات ومن أساسيات مائدة الإفطار، يبرز دور المرأة وجهدها الكبير.
تعيش رائفة جيلان (58 عاماً) في بلدة خِرواته (بيوك جكمجة) بشمال كردستان وكغيرها من نساء البلدة، تواظب كل عام على تحضير الجبن بالأعشاب، ففي فصل الربيع تجمع الأعشاب التي تنمو في المراعي الجبلية المرتفعة، ومع حلول الصيف تبدأ مرحلة صناعة الجبن.

تقول وهي أم لثمانية أطفال، أنها تُحضّر الجبن بالأعشاب لاستهلاكه مع عائلتها، وكذلك لبيعه والمساهمة في تأمين دخل الأسرة، وتبين أن عملية التصنيع تبدأ بجمع الأعشاب في موسمها المناسب، ثم الانتقال إلى مرحلة الحليب.
وتشرح مراحل التحضير بالقول "في ساعات الصباح الباكر نذهب إلى المكان الذي تُجمع فيه الأغنام لحلبها، وبعد الحلب يُصفّى الحليب عدة مرات ثم يُضاف إليه المنفحة، يُترك الحليب نحو نصف ساعة حتى يتخثر ويصل إلى القوام المطلوب، وبعد ذلك تُضاف إليه مجموعة من الأعشاب مثل الثوم الأخضر، ثم يُصفّى ويُعبّأ في أكياس قماشية، أما السائل المتبقي من الجبن فيُجمع داخل قدر كبير".

نكهة تنتظر تحت التراب
وتوضح رائفة جيلان أن الأكياس القماشية المملوءة بالجبن تُترك ليلةً كاملة "عندما يصل الجبن إلى القوام النهائي، يُملّح ويُعبّأ في أوعية سعتها خمسة كيلوغرامات، ثم يُدفن في الأرض، ويُترك الجبن المدفون مدة لا تقل عن ستة أشهر تحت التراب، وبعدها يُستخرج ويصبح جاهزاً للاستهلاك".
وأضافت أن باطن الأرض لا يُستخدم فقط لإنضاج الجبن، بل يُعدّ أيضاً مخزناً طبيعياً لحفظه "الجبن لا يصبح جاهزاً تحت الأرض فحسب، بل يُخزَّن هناك أيضاً، فمدة الستة أشهر هي الفترة اللازمة ليصبح صالحاً للأكل، لكن أحياناً يُحفظ لمدة سنة أو أكثر، وعند الحاجة نُخرج كمية تكفي لفترة معينة، بينما الباقي يظل محفوظًا تحت التراب دون أن يفسد".

الاستفادة من كل شيء
وأشارت رائفة جيلان إلى أن السائل الناتج عن تصفية الجبن لا يُهدر، بل يُستفاد منه أيضاً، إذ يُغلى في قدور كبيرة فوق النار لإنتاج جبن اللور (الجبن الطازج) ومشتقات أخرى مثل الجاجيك، وهي منتجات تُغني موائدهم خلال الشتاء، كما تُباع لتوفير دخل إضافي للأسرة.
وذكرت أنها باعت الكيلوغرام الواحد من الجبن بالأعشاب العام الماضي بسعر 360 ليرة تركية، إلا أن أسعار هذا العام لم تُحدد بعد، وأضافت أنها تبيع منتجاتها أحياناً داخل القضاء، وأحياناً ترسلها إلى مدن أخرى خارج المنطقة.