طرد عاملة مغربية بسبب نشاطها النقابي يضرب الحرية النقابية في المغرب
تواجه النساء في قطاع النسيج بالمغرب ساعات عمل طويلة وأجور منخفضة، وضغطاً مزدوجاً بين المصنع والمنزل، ما يجعل أي نشاط نقابي للدفاع عن حقوقهن محفوفاً بالمخاطر ويهدد حرية التنظيم.
حنان حارت
المغرب ـ في أحد أحياء الدار البيضاء، وتحديداً في المنطقة الصناعية بحي مولاي رشيد، وجدت فاطمة عدنان نفسها، بعد 24 عاماً من العمل داخل مصنع للنسيج، أمام قرار طرد نهائي، بسبب ما تقول إنه "مشاركة نقابية لا أكثر".
فاطمة عدنان وهي عاملة وعضوة في المكتب النقابي داخل المؤسسة، تروي أن قصتها بدأت حين اختيرت لتمثيل العاملات في المغرب خلال مؤتمر دولي نظمه اتحاد الصناعات في أستراليا، شاركت فيه أكثر من 500 نقابة من 130 دولة.
وأوضحت أنها شاركت في المؤتمر لتمثيل العاملات وتسليط الضوء على أوضاع النساء في قطاعات النسيج والملابس والجلد بالمغرب، والتحديات اليومية التي تواجهنها داخل المصانع، من تأخر الأجور وساعات العمل الطويلة، إلى الضغط المهني المزدوج بين المصنع والمنزل.
لكن مشاركتها هذه كلفتها، بحسب قولها، فقدان منصبها بعد ربع قرن من الخدمة "عدت من المؤتمر، فتفاجأت باستدعاء من مفوض قضائي، فقط لأن الإدارة رأت صوري في المؤتمر، وبعد ثلاثة أيام كان قرار الطرد النهائي لقد ذهبت لأمثل العاملات ولم تكن في نيتي سوى نقل الواقع".
قصة فاطمة عدنان ليست مجرد نزاع مهني، بل تكشف، وفق متابعين للقطاع، هشاشة الحريات النقابية داخل مصانع النسيج، وهو قطاع يعد من أكبر سلاسل التشغيل في المغرب، ويمثل نسبة مهمة من اليد العاملة النسائية.
وداخل المصنع نفسه، تقول فاطمة عدنان إن العاملات كن تعانين من اختلالات متراكمة تتمثل بتأخر الأجور، وغياب تسوية ملفات الضمان الاجتماعي، وغموض مستقبل الشركة التي كانت، حسب شهادتها، تمر بصعوبات مالية قد تفضي إلى إغلاق محتمل، دون أي تواصل واضح من الإدارة حول حقوق العاملات في حال اللجوء إلى التسوية القضائية.
وأوضحت أن التضامن الذي أبداه معها بعض زملائها أدى إلى تعرضهم بدورهم للمضايقات، وهو ما تعتبره مؤشراً على ردع كل موقف تضامني داخل المؤسسة.
بيان نقابي يزيد الضغوط على الشركة
رداً على طردها، أصدرت النقابة الوطنية للنسيج والألبسة والجلد، المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بياناً أعلنت فيه تضامنها الكامل مع فاطمة عدنان، التي وصفتها بـ "العاملة المطرودة والعضوة بالمكتب النقابي".
وقال البيان إن فاطمة عدنان مثلت العاملة في المغرب وإفريقيا والشرق الأوسط، ضمن المؤتمر الدولي المنعقد في أستراليا، معتبراً أن قرار طردها من الشركة جاء "بسبب مشاركتها في مؤتمر نقابي دولي في نوفمبر 2025".
وأكدت النقابة أن هذا القرار انتهاك صريح للحرية النقابية والمعايير الدولية للعمل، مشيرةً إلى أن المشاركة النقابية لا يمكن أن تكون سبباً لأي إجراء تأديبي بحق العاملات.
وطالب البيان جميع الشركات في القطاع باحترام الالتزامات المتعلقة بالعمل النقابي، داعياً في الوقت نفسه إلى الإرجاع الفوري للعاملة إلى عملها دون قيد أو شرط.
وتبرز حالة فاطمة عدنان مخاوف متجددة حول ممارسة العمل النقابي داخل قطاع النسيج، حيث تشكل النساء أغلبية اليد العاملة، في ظل هشاشة مهنية واقتصادية تجعل من الانخراط النقابي مخاطرة في نظر كثيرات.
وباعتبارها عضوة في المكتب النقابي ومنسقة المرأة للنقابة على مستوى شمال أفريقيا والشرق الأوسط، ترى أن طردها رسالة موجهة إلى جميع العاملين والعاملات "هذا القرار ليس ضدي فقط، بل هو رسالة للمكتب النقابي لكي يلتزم الصمت، وكيلا يظل يناقش مشاكل العاملات".
وفي المقابل، يؤكد ناشطون نقابيون في القطاع أن طرد عامل أو عاملة بسبب مشاركته في مؤتمر دولي يمثل مساً مباشراً بحرية التنظيم النقابي، ويعيد إلى الواجهة النقاش حول الحاجة إلى آليات حماية أقوى للعاملات داخل المصانع.
ومن الناحية القانونية، تذكر قضيتها بالمبادئ التي تضمنها اتفاقيات منظمة العمل الدولية، خاصة الاتفاقية رقم 87 المتعلقة بالحرية النقابية وحماية حق التنظيم واتفاقية رقم 98 الخاصة بحق التنظيم والمفاوضة الجماعية.
الاتفاقية 87 تمنح العمال "حقاً دون تمييز لإنشاء المنظمات التي يختارونها والانضمام إليها دون إذن مسبق"، كما تكفل لهم الحق في إدارة منظماتهم بحرية كاملة وانتخاب ممثليهم وتنظيم نشاطهم دون تدخل من السلطات.
لكن، على الرغم من هذه المعايير الدولية، تشير تقارير حقوقية إلى أن ممارسات مثل طرد مناضلين أو مناضلات نقابيين لا تزال تقع في بعض المصانع، بما يهدد مبدأ التنظيم الديمقراطي داخل العمل.
إضافة إلى ذلك، هناك من يدعو إلى تسريع التصديق الوطني على جميع الاتفاقيات الأساسية لمنظمة العمل الدولية، بما فيها الاتفاقية 87، لتعزيز الحوار الاجتماعي وحماية العاملات والعمال.
العاملة بين ضغط المصنع وأعباء البيت
وتسلط القضية الضوء أيضاً على وضع النساء اللواتي تواجهن ضغطاً مضاعفاً واجبات البيت ورعاية الأطفال من جهة، والعمل الشاق داخل سلسلة الإنتاج من جهة أخرى، وضعف الأجور، وساعات العمل الطويلة، ورداءة شروط الصحة والسلامة المهنية، كلها عوامل تجعل أي تقييد للحريات النقابية أكثر أثراً على النساء، هذا ما كشفت عنه فاطمة عدنان في حديثها لوكالتنا.
ورغم قرار الطرد، تقول إنها مستمرة في الدفاع عن حق العاملات في ظروف عمل لائقة "الطرد ليس نهاية، سأظل أدافع عن حقوق العاملة، وأشكر العاملات والعمال الذين تضامنوا معي، وكل النقابات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والاتحاد الدولي للصناعات".
وتبقى قصة فاطمة عدنان، القادمة من قلب معمل للنسيج في الدار البيضاء، نموذجاً لصراع أوسع تخوضه كثير من العاملات في القطاع، صراع من أجل صوت، ومن أجل مساحة آمنة لممارسة حق طالما اعتبر أحد ركائز العمل اللائق.