عنف بلا عقاب... نساء الأقليات الدينية في مواجهة التمييز داخل محاكم الجمهورية الإسلامية
تواجه النساء المنتميات إلى الأقليات الدينية في إيران، بالتزامن مع التمييز الديني، عدم المساواة بين الجنسين والعوائق القضائية؛ وهي أوضاع تحوّل رواياتهن عن المحاكم وبيئة العمل إلى نماذج من العنف والظلم.
سارة بورخزري
كرماشان ـ في النظام القانوني للجمهورية الإسلامية، لا تُحدد عقوبة القاتل دائماً على أساس مبدأ المساواة الإنسانية، ففي بعض الحالات، إذا كان القتيل غير مسلم والقاتل مسلماً، قد يسقط القصاص عن القاتل أو يخضع لتخفيفات في العقوبة لا تختلف كثيراً عن تبرئته من الجريمة؛ وهي مسألة تثير مجدداً أسئلة أساسية حول التمييز الديني والجندري، وعدم المساواة أمام القانون، وقيمة حياة الإنسان في ظل الجمهورية الإسلامية.
الدين يؤثر في العقوبة
وفقاً لقانون العقوبات الإسلامي، يشترط تنفيذ القصاص في النفس، في بعض الحالات تساوي دين القاتل والمقتول لذلك، إذا كان المقتول غير مسلم والقاتل مسلماً قبل تنفيذ الحكم، فقد يسقط القصاص عنه، وفي بعض القضايا الأخرى، تؤثر الهوية الدينية للطرفين في نوع العقوبة ومقدارها، بل قد تؤدي إلى إعفاء القاتل من القصاص ومن عقوبات أخرى، بما في ذلك السجن أو الغرامة المالية.

فقط ثلاث سنوات من السجن لقاتل امرأة يارسانية
تروي (معصومة. ث)، وهي من أتباع الديانة اليارسانية في كرماشان شرق كردستان، قصة مقتل شقيقتها على يد زوجها، وهي جريمة وقعت قبل عقدين من الزمن.
وقالت "كانت شقيقتي تبلغ من العمر 19 عاماً فقط عندما قتلها زوجها طعناً بالسكين، ثم سلّم نفسه للشرطة. كنا نعتقد أن اعترافه سيجعل طريق العدالة واضحاً، لكن كل شيء تغير في المحكمة. ادعى زوج شقيقتي أنها أهانت المعتقدات الدينية لعائلة زوجها، وأنها كانت على تواصل مع أشخاص يعبدون الشيطان، وأنه قتلها دفاعاً عن المقدسات".
والقانون في مثل هذه الحالات كما تبين لا يدعم عملياً الشخص المتهم بالإساءة إلى المقدسات الدينية، ويمكن لمثل هذا الادعاء أن يغيّر مسار القضية بالكامل لصالح القاتل "نحن متأكدون من أن شقيقتي لم تقل مثل هذا الكلام مطلقاً؛ لقد اختلق هذه القصة حتى يتهرب من مسؤولية قتلها ويفلت من العقوبة".
وأضافت "قاتلنا لأشهر في المحاكم، لكن هذه اللعبة القانونية والدينية المعقدة أخفت الحقيقة وفي النهاية، وبعد كل تلك الصراعات، قضى زوج شقيقتي أقل من ثلاث سنوات في السجن، وأُفرج عنه سريعاً، وبعد ذلك بفترة قصيرة غادر البلاد سراً".
من التمييز في المحكمة إلى الضغوط المضاعفة على النساء
كذلك توضح (شكيلا. ق)، وهي طالبة حقوق في كرماشان "رسمت القوانين واللوائح المعمول بها في الجمهورية الإسلامية دائماً حدوداً واضحة بين الناس على أساس دينهم ومعتقداتهم، ورغم أن القانون، في ظاهره، لا يشير صراحة إلى هذا التمييز، فإن الأقليات الدينية في الواقع محرومة من أبسط حقوقها، ومن السهل جداً إدانتهم في المحاكم، حتى من دون أدلة كافية".
ويكفي كما تشير أن يكون الطرف الآخر في المحكمة شخصاً مسلماً؛ ففي مثل هذه الظروف "تسير إجراءات التقاضي بأكملها وكأن الانتماء إلى أقلية بحد ذاته جريمة، ويجد الشخص غير المسلم نفسه في موقف ضعيف منذ البداية".
وفي مثل هذه الظروف، يمكن للمحكمة، بدلاً من أن تكون مؤسسة محايدة، أن تتأثر بالهوية الدينية والجنس، ومن هذا المنظور، تواجه الأقليات الدينية هشاشة بنيوية، بينما يضاعف كون الشخص امرأة من حدة هذه الضغوط وتعقيدها.
مستويان من التمييز
خلال السنوات الماضية، واجهت العديد من النساء المنتميات إلى الأقليات الدينية في إيران، ومن بينهن البهائيات واليارسانيات وغيرهن، الاعتقال والسجن والأحكام القاسية.
وفي هذا المسار، لعب عاملان مهمان، هما كونهن نساء وامتلاكهن معتقدات دينية مختلفة، دوراً حاسماً؛ وهما عاملان لم يكونا بلا تأثير فحسب، بل ألقيا مباشرة بظلالهما على نتائج المحاكم ومقدار العقوبات.
وكما حُكم في الأيام الماضية على فرانك ذبيحي، وهي مواطنة بهائية، بالسجن لمدة عامين بتهم من بينها "الدعاية ضد النظام من خلال الترويج للدين البهائي".
عندما يصل التمييز الديني إلى بيئة العمل
تروي (فهيمة. ن)، وهي امرأة من أتباع الديانة اليارسانية، تجربتها قائلةً "بعد ثلاثة أشهر من العمل، عندما طالبت صاحب العمل بأجوري ولم أتلقَّ أي رد، قلت إنني سأرفع دعوى ضده لكن كل شيء في المحكمة تغير لصالحه. ادعى صاحب العمل أنه فصلني بسبب محاولتي الترويج للديانة اليارسانية، وكان هذا الادعاء وحده كافيًا لكي تحكم المحكمة لصالحه".
ولا تمثل هذه الرواية سوى نموذج واحد من الواقع المرير في المجتمع؛ واقع يوضح كيف تضغط قوانين الجمهورية الإسلامية على الأقليات بالاستناد إلى المعتقدات الدينية الرسمية، في حين يصبح كون المرأة امرأة عاملاً إضافياً يزيد من شدة هذا الضغط.
وفي مثل هذه الظروف، لا تواجه النساء المنتميات إلى الأقليات الدينية التمييز الديني فحسب، بل يواجهن أيضاً التمييز على أساس الجنس؛ وهو مزيج يضعهن في موقف مزدوج وهش.
وتكشف هذه الروايات عن صورة واضحة لبنية النظام القانوني والاجتماعي التمييزية في إيران؛ نظام يهمّش النساء المنتميات إلى الأقليات الدينية باستخدام القانون والمعتقدات الرسمية والنظرة الذكورية.