القصف الكيميائي لباليسان بين الذاكرة والإنكار
أكدت بروجه قلندر، رئيسة قسم توثيق الجرائم في معهد برايت التقني والمهني، أن العمل من أجل الاعتراف بجريمة القصف الكيميائي كإبادة جماعية "لا يزال في بداياته"، وأن الطريق ما زال مليئاً بالعقبات والتجاهل الدولي.
هيفي صلاح
السليمانية ـ في السادس عشر من نيسان/أبريل عام 1987، شن نظام البعث هجوماً وحشياً باستخدام الطائرات الحربية على منطقة وادي باليسان وقرية شيخ وسنان، مستعملاً أسلحة كيميائية محرّمة دولياً.
كان هذا الهجوم أول تجربة واسعة النطاق لذلك النظام في استخدام السلاح الكيميائي ضد الشعب الكردي، مما أدى إلى مقتل مئات المدنيين الأبرياء وإصابة المئات الآخرين، ولا تزال آثار السموم باقية في أجساد كثير منهم حتى اليوم يعانون منها.
في هذا الهجوم استخدم غاز الخردل والسارين والتابون والسيانيد، مسبباً حروقاً شديدة في الجلد، والعمى المؤقت، وتوقف الجهاز التنفسي. وتمكّن سكان المنطقة من التعرف على الهجوم من خلال الروائح الشبيهة برائحة الثوم والتفاح الفاسد، إضافة إلى ظهور دخان أسود وأخضر. كما أن استخدام الماء لمعالجة الحروق زاد من سوء الإصابات، في حين قام النظام بمنع معالجة الجرحى في المستشفيات، وتسبب ذلك في وفاة عدد كبير منهم وترك آخرين بلا مأوى أو رعاية.
لم يكن ذلك مجرد هجوم عسكري، بل كان بداية مرعبة ومخططاً له بعناية لسلسلة جرائم الأنفال وقصف حلبجة بالأسلحة الكيميائية، التي كان هدفها الرئيسي محو الهوية القومية الكردية وإبادة الحياة على أرض كردستان. في هذه الكارثة مقتل أكثر من 103 أشخاص فوراً، وأصيب ما يقارب 400 آخرين، وكان أغلبهم من النساء والأطفال. لاحقاً قام نظام البعث بطرد الجرحى من المستشفيات وتركهم بلا مأوى أو علاج، ولا يزال مصير أكثر من 70 منهم مجهولاً حتى اليوم.
هذا الهجوم لم يستهدف البشر فقط، بل جعل بيئة كردستان أيضاً هدفاً مباشراً. فبسبب استخدام الغازات السامة، تلوثت التربة والمياه والغابات بمواد كيميائية خطيرة، مما أدى إلى دمار طويل الأمد، واختفاء آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية، وهجرة الطيور، وانهيار النظام البيولوجي في المنطقة.
صمت الإعلام العالمي وتواطؤ الدول ذات المصالح
اختارت وسائل الإعلام العالمية والدول ذات المصالح الصمت، إذ كان تعامل الإعلام الدولي مع قصف وادي باليسان بالأسلحة الكيميائية ضعيفاً ومحدوداً للغاية. كما أن معظم دول الغرب، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، التزمت الصمت بسبب مصالحها السياسية ودعمها للعراق في حربه ضد إيران.
لم تحظَ هذه الكارثة بالاهتمام الدولي اللازم في وقتها، ولم تُكشف الحقيقة كاملة إلا بعد سنوات، وخاصة بعد قصف حلبجة، حين أصبح واضحاً للعالم أن هذا كان أول استخدام واسع النطاق لسلاح كيميائي من قبل دولة ضد مواطنيها، وتم الاعتراف به رسمياً كجريمة إبادة جماعية ضد الشعب الكردي.
هذا الاعتراف لم يكن مجرد استعادة لحق تاريخي، بل كان خطوة أساسية لمنع تكرار مثل هذه الكوارث. ففي عام 2010 اعتبرت المحكمة الجنائية العراقية هذا الهجوم جزءاً من حملة الأنفال وجريمة إبادة جماعية، وأصدرت أحكاماً بحق عدد من ضباط وقادة نظام البعث الذين شاركوا في إصدار أو تنفيذ أوامر قصف وادي باليسان وشيخ وسنان بالأسلحة الكيميائية. وأكدت المحكمة أن هذه الجريمة استوفت جميع الشروط القانونية للإبادة الجماعية لأنها نُفذت بهدف القضاء على مجموعة قومية وثقافية بأكملها.
لاحقاً اعترفت حكومة إقليم كردستان بهذه المنطقة كأول موقع تعرّض للقصف الكيميائي، بهدف ضمان الحقوق المعنوية والمادية لذوي القتلى والجرحى. كما أثبتت تقارير المنظمات الدولية مثل هيومن رايتس ووتش، وأطباء من أجل حقوق الإنسان، ووثائق الأمم المتحدة، أن قصف وادي باليسان كان تجربة أولية لنظام البعث تمهيداً لجرائم الإبادة اللاحقة، وأكدت استخدام غاز الخردل وغازات خانقة أخرى تسببت في العمى المؤقت، وحروق الجلد، والاختناق، والموت السريع.
وأظهرت برامج التوثيق في إقليم كردستان والوثائق السرية لنظام البعث أن الهجوم كان مخططاً له مسبقاً بهدف اختبار سلاح الإبادة وتنفيذ سياسة "التطهير" في المنطقة. وكان أبرز من أصدر الأوامر المباشرة لهذا الهجوم علي حسن المجيد، المعروف بـ "علي الكيماوي"، الذي كان في ذلك الوقت سكرتير المكتب الشمالي لحزب البعث، وقد مُنح صلاحيات عسكرية وأمنية واسعة في إقليم كردستان، مما مكّنه من تنفيذ سياسة استخدام السلاح الكيميائي. وفي عام 2010 حُكم عليه بالإعدام بسبب هذه الجرائم.
ورغم أن برلمان إقليم كردستان اعترف عام 2020 بهذه الكارثة كجريمة إبادة جماعية، إلا أن الاعتراف الدولي ما زال في مرحلة جمع الأدلة، وما تزال الجهود محصورة إلى حد كبير ضمن إطار المطالبات المحلية.
جهود شكلية بلا نتائج حقيقية
قالت بروجه قلندر رئيسة قسم توثيق الجرائم في المعهد التقني والمهني برايت أنه "علينا نحن كأمة كردية أن نولي أهمية خاصة لقضية القصف الكيميائي لمنطقة باليسان، وأن نفهم لماذا لم يُعترف بها دولياً كجريمة إبادة جماعية، رغم أنها كانت أول منطقة تتعرض للقصف الكيميائي. وفي عام 2008 جرى اعتماد هذا اليوم كيوم لبيئة إقليم كردستان، لأن بيئة المنطقة دُمّرت بالمواد الكيميائية. وبعد جهود طويلة، اعترف برلمان كردستان عام 2020 بهذه الجريمة كإبادة جماعية، لكن ذلك لم يكن كافياً".
وأضافت أن المشكلة الأساسية في عدم الاعتراف الدولي بهذه الجريمة كإبادة جماعية تكمن في أن الملف ما زال في مرحلة التحقيق وجمع الأدلة، ويجب العمل عليه من الناحية القانونية، موضحةً أنه رغم بعض الجهود التي بُذلت عبر منظمات المجتمع المدني والبرلمان في الإقليم، إلا أنها غير كافية، وما زالت في إطار شكلي.
وأكدت أنه " اليوم يقع على عاتق الكرد مسؤولية تقديم جميع الأدلة أمام المحاكم الدولية لإثبات أن جميع شروط الإبادة الجماعية قد تحققت، خاصة أن جرائم مثل ما حدث في باليسان تحمل أبعاداً خطيرة، ويجب التعامل معها من خلال التمييز الدقيق بين مفهومي الإبادة الجماعية (Genocide) والإبادة السياسية أو الاجتماعية (Democide) لضمان حقوقنا التاريخية والقانونية".
وأوضحت أن ما حدث في وادي باليسان يندرج ضمن أربعة أشكال من "الديموسايد"، وهو مصطلح أكاديمي وضعه الباحث رودولف روميل، ويُستخدم كإطار أوسع من الإبادة الجماعية لوصف كل أشكال القتل الجماعي الذي ترتكبه الحكومات والسلطات. فهذا المفهوم لا يقتصر على قتل جماعات قومية أو دينية، بل يشمل أيضاً القتل السياسي، والقتل على أساس الانتماء الاجتماعي، وحتى الموت الناتج عن معسكرات العمل القسري أو السجون.
ولفتت إلى أن الفرق الأساسي بين المفهومين هو أن الإبادة الجماعية جريمة قانونية دولية تتطلب إثبات نية القضاء على جماعة محددة، بينما يُستخدم مفهوم الديموسايد غالباً كأداة تاريخية وسياسية لقياس عدد ضحايا الأنظمة، الذين غالباً ما يقتلون لأسباب سياسية أو عشوائية ولا يندرجون ضمن التعريف القانوني الضيق للإبادة الجماعية.
توثيق المقابر الجماعية لإثبات جرائم القصف الكيميائي
وشددت بروجه قلندر على أن الجريمة المرتكبة بحق أهالي باليسان تجاوزت حدود التعريفات القانونية التقليدية، وأن جمع الأدلة وتقديمها للمحاكم الدولية أمر بالغ الحساسية، لأن الاعتراف الرسمي يترتب عليه التزامات مادية ومعنوية، بينما يبقى الهدف الأهم بالنسبة للكرد هو منع تكرار مثل هذه الكوارث في أي جزء من إقليم كردستان.
وأشارت إلى أنه ولأول مرة تدرس محاضرات بحثية متخصصة حول المقابر الجماعية في إقليم كردستان، بهدف إثبات استخدام الأسلحة الكيميائية وتكييف هذه الجرائم ضمن التعريفات القانونية المعتمدة في الأمم المتحدة للإبادة الجماعية (Genocide) والإبادة السياسية أو الاجتماعية (Democide).
وعلى حد قولها فإن تأثير الأسلحة الكيميائية لا يقتصر على الضحايا فقط، بل يمتد على المدى الطويل ليصيب جينات التربة، والصحة العامة، والبيئة. والطريق الوحيد للوصول إلى الاعتراف الدولي بهذه القضايا هو الاستناد إلى خطوات علمية دقيقة، ومزامنة مراحل البحث مع متطلبات المحاكم الدولية.