التعدين يزاحم الناس معيشتهم... أراضي باميان الزراعية ومنازلها مهددة بالزوال
في ولاية باميان الأفغانية تقف الزراعة أمام واقع جديد فرضته مشاريع التعدين. فالأراضي التي كانت تؤمّن الدخل لعشرات الأسر أصبحت مهددة بالزوال، بينما يواجه بعض السكان ضغوطاً لمغادرة منازلهم وأراضيهم مع توسع الأنشطة التعدينية.
بهاران لهيب
باميان ـ في الطريق إلى قرية باي كوتل، تظهر الأراضي الزراعية وسط عمليات مرتبطة بالتعدين؛ وهي أراضٍ كانت حتى وقت قريب تُزرع فيها البطاطا وتشكل مصدراً من مصادر معيشة أسر القرية، ويقول السكان إنه مع بدء الأنشطة التعدينية، طُلب من عدد من الأسر ترك منازلها وأراضيها.
تُعد باي كوتل إحدى القرى المحيطة بالمنطقة التعدينية في باميان، حيث تعتمد حياة السكان على الأرض والزراعة، وتعيش في القرية نحو 50 أسرة، فيما أصبح مستقبل الأراضي التي استخدموها للزراعة على مدى سنوات مجهولاً بالنسبة إليهم.
وللوصول إلى القرية، واجهت مراسلتنا قوات من طالبان عند مدخل المنطقة، ولم تكن تسمح لغير السكان المحليين بالدخول، وبالتالي لم تتح لوكالتنا فرصة التحدث مع عدد أكبر من السكان أو مشاهدة أجزاء أخرى من القرية بشكل مباشر.
ومع ذلك، وافقت إحدى المزارعات على الحديث، وقالت أن الأراضي لا تمثل بالنسبة إلى أسر القرية مجرد قطع زراعية، بل مصدر الدخل الأساسي وسبل العيش "نحن أناس فقراء. كان أملنا الوحيد هذه الكمية القليلة من البطاطا، لكن طالبان دمّرتها"، وكما تؤكد اضطرت الأسر إلى حصاد محاصيلها قبل أن تنضج بشكل كامل، لأنها لم تكن تعرف إلى متى ستتمكن من استخدام أراضيها، وسط ضغوط تُمارس عليهم لترك منازلهم وأراضيهم.
لكن الحديث توقف عندما اقترب رجل مسلح من المكان، وبعد أن رأته المزارعة، التزمت الصمت ورفضت مواصلة الحديث، ومراسلة وكالتنا غادرت المكان بعد فترة، بعدما شعرت بأنها تحت المراقبة.
وتظهر هذه التجربة الميدانية أن قضية التعدين في هذه المنطقة لا تقتصر على استخراج الموارد الطبيعية؛ فهي بالنسبة إلى السكان مرتبطة بشكل مباشر بالأرض والمنزل والدخل وأمن حياتهم.

التعدين ووعود التنمية
تُعد باميان من المناطق الغنية بالمعادن في أفغانستان، وقد طُرحت خلال السنوات الماضية مشاريع مختلفة لاستغلال احتياطيات الحديد وغيرها من الموارد المعدنية فيها.
وفي حزيران/يونيو هذا العام أعلنت وزارة المناجم والبترول التابعة لطالبان توقيع عقد لاستخراج خام الحديد في باميان لمدة 30 عاماً مع شركتين محليتين، ووفقاً لإعلان الوزارة، تبلغ مساحة المنجم 85 كيلومتراً مربعاً، ومن المقرر دفع إتاوة بنسبة 20%، على أن تتم معالجة جميع المواد المعدنية داخل أفغانستان.
ويرى مسؤولو طالبان أن استغلال هذه المناجم جزء من التنمية الاقتصادية لأفغانستان وخلق فرص العمل، لكن السؤال الأساسي بالنسبة إلى سكان باي كوتل مختلف: إذا كان استخراج المعادن سيأتي على حساب فقدان الأرض والمنزل، فما نصيب السكان المحليين من هذه التنمية؟

عندما تكون الأرض رأسمال الأسرة الوحيد
بالنسبة إلى الأسر الريفية، الأرض ليست مجرد مكان للزراعة فالدخل الناتج عنها يغطي تكاليف الطعام والعلاج والتعليم وغيرها من احتياجات الأسرة، وفقدان الأرض، ولا سيما في منطقة تفتقر إلى فرص العمل، قد يضع الأسرة أمام مستقبل مجهول.
وفي مثل هذه الظروف، تكتسب مسألة التعويض أهمية خاصة، فإذا أُجبرت أسرة على ترك أرضها أو منزلها، يجب أن يكون واضحاً ما الذي سيحل محلها، وما إذا كان التعويض قادراً على تغطية التكلفة الحقيقية لفقدان مصدر دخل الأسرة أم لا.
وهناك سؤال آخر: هل سيستفيد السكان المحليون من فرص العمل التي ستوفرها المشاريع التعدينية؟ وهل سيُخصص جزء من الإيرادات الناتجة عن استخراج المعادن لتحسين الطرق والمدارس والخدمات الصحية وغيرها من البنى التحتية في المنطقة؟

النساء والأطفال على هامش القرارات
لا تقتصر آثار فقدان الأرض على الرجال أو أصحاب الملكية الرسميين فالنساء الريفيات يشاركن أيضاً في الزراعة وتأمين احتياجات الأسرة، ويمكن أن يؤثر فقدان الأرض في أوضاعهن الاقتصادية والاجتماعية.
وفي حال اضطرت الأسر إلى الانتقال، قد تواجه النساء، أكثر من غيرهن من أفراد الأسرة، صعوبات اقتصادية ومشكلات في الوصول إلى الخدمات، كما قد يفقد الأطفال، نتيجة مغادرة القرية، مدارسهم وبيئتهم التي اعتادوا عليها.
ومع ذلك، فإن أصوات النساء وغيرهن من أفراد الأسر المتضررة مباشرة من المشاريع التعدينية غالباً ما تكون أقل حضوراً في عمليات صنع القرار.
ماذا سيحصل الناس من المنجم؟
بالنسبة إلى سكان باي كوتل، يمكن أن تعني التنمية التعدينية تقدماً حقيقياً فقط عندما تكون حياتهم جزءاً من هذه المعادلة.
ويريد السكان معرفة ما الدعم الذي ستحصل عليه الأسر التي ستفقد أراضيها أو منازلها، وما إذا كان سيتم توفير أماكن سكن بديلة لها، وعدد أبناء المنطقة الذين سيتم توظيفهم في المشاريع، وما نصيب القرية من الخدمات والبنى التحتية التي يجري الوعد بها.
في المقابل، تتحدث سلطة طالبان والشركات المستثمرة عن الإيرادات والاستثمارات وفرص العمل الناتجة عن التعدين. والفجوة بين هاتين الروايتين هي السؤال الذي لا يزال قائماً في باي كوتل: لمن تأتي التنمية التي يوفرها المنجم، ومن الذي يدفع ثمنها؟