نورستان... رحلة العلاج بين وعورة الطرق ونقص الكوادر الطبية
تتحول طرق العلاج بأرياف نورستان الأفغانية إلى سباق مميت مع الوقت، حيث يضع غياب الأطباء والقابلات، ووعورة المسافات الفاصلة بين القرى والمراكز الصحية النائية، حياة الأمهات والأطفال أمام مخاطر متزايدة، لتصبح الرعاية الطبية هناك مهمة شبه مستحيلة.
بهاران لهيب
نورستان ـ أكدت العاملة في القطاع الصحي في نورستان أوكي نور، أن غياب التجهيزات وبُعد المسافات في نورستان يحولان رحلات علاج الحوامل إلى مآسٍ قاتلة؛ محذرةً من تفاقم الأزمة نتيجة القيود المفروضة على تعليم وعمل الكوادر الطبية النسائية.
في المناطق النائية من نورستان في أفغانستان، لا يبدو الطريق إلى العلاج مجرد مسافة تُقطع، بل قد تتحول إلى سباق مع الوقت بين المرض والحياة، فغياب الأطباء والقابلات ونقص التجهيزات الطبية، وسوء الطرق، كلها عوامل تجعل الوصول إلى الرعاية الصحية مهمة شاقة، وتضع حياة الأمهات والأطفال أمام مخاطر متزايدة.
ومنذ عودة طالبان إلى السلطة عام 2021، ومع مغادرة جزء من الكوادر المتخصصة والمتعلمة، تفاقمت بحسب العاملين في القطاع الصحي مشكلة نقص الكوادر المهنية، وفي الوقت نفسه ألقت القيود المفروضة على تعليم النساء بظلال إضافية على مستقبل القطاع الصحي، في بلد يحتاج بشدة إلى مزيد من الكوادر الطبية النسائية.
تنقل أوكي نور العاملة في القطاع الصحي بنورستان شهادة حية من قلب المعاناة، حيث تعيش يومياً التحديات التي تواجه النساء والكوادر الطبية في واحدة من أكثر مناطق أفغانستان حرماناً، وتروي كيف تتشابك وعورة الطرق مع نقص التجهيزات، والقيود المفروضة على التعليم والعمل، لترسم واقعاً معقداً يهدد حياة السكان.
وتؤكد أن العجز الحاد في الكوادر الطبية المؤهلة بالمناطق النائية يمثل المعضلة الأكبر للقطاع الصحي في الولاية، وترجع جذور هذه الأزمة إلى سنوات الحرب وانعدام الأمن، التي تسببت في هجرة العقول المتخصصة، وتفاقمت مع الظروف الاقتصادية القاسية، ومحدودية إمكانات المراكز الطبية القائمة.
صعوبة المعيشة في المناطق النائية
وأضافت أن غياب ظروف العمل المناسبة والرواتب الملائمة، إلى جانب نقص التجهيزات، يجعل استمرار الأطباء والمتخصصين في العمل بالمناطق النائية أمراً بالغ الصعوبة، كما أن المسافات الطويلة التي تفصل المراكز الصحية عن أماكن إقامة السكان تجعل الحصول على العلاج أكثر تعقيداً خصوصاً في الحالات الطارئة.
وترى أن تحسين أوضاع القطاع الصحي يتطلب دعم المراكز الصحية بالمعدات اللازمة، وتوفير ظروف عمل أفضل للعاملين، وإتاحة برامج تدريب وتخصص مستمرة، بما يساعد على رفع مستوى الخدمات الصحية ويخفف من معاناة السكان في المناطق البعيدة.
ولا تتوقف التحديات عند حدود المرضى، بل تمتد لتخنق الكوادر الطبية نفسها؛ حيث تؤكد أوكي نور من واقع عملها في تلك المنطقة المعزولة أن القيود المفروضة على التعليم وغياب برامج التطوير المهني يقفان حجر عثرة أمام تقدمها العلمي والوظيفي.
وتشير إلى حرمان العاملين هناك من المشاركة في الاختبارات المهنية وفرص الترقي، بالتوازي مع مشقات التنقل، والضغوط الاقتصادية، ونقص الإمكانات، وهي عقبات ومشاكل تؤكد أنها تصبح أكثر قسوة وبعداً إنسانياً عندما تواجهها النساء في الميدان الصحي.

استمرار القيود
ورغم ذلك، تؤكد تمسكها بمهنتها ورغبتها في مواصلة خدمة الناس، وتأمل أن تتوفر للنساء العاملات في القطاع الصحي بيئة آمنة ومهنية وعادلة، تتيح لهن الاستمرار في العمل وتطوير قدراتهن العلمية والمهنية.
وتضع نقص الأطباء والقابلات والممرضين في مقدمة المخاوف المتعلقة بمستقبل النظام الصحي في أفغانستان، وتقول إن القيود التعليمية ومنع النساء من المشاركة في الاختبارات المهنية يأتيان في وقت تعاني فيه البلاد أصلًا من نقص في الطبيبات، فيما تجاوزت أعمار عدد كبير من الطبيبات والمتخصصات 65 عاماً.
وتحذر أوكي نور من أن استمرار هذه القيود والتي قد تؤدي إلى تفاقم النقص في أعداد الطبيبات خلال السنوات المقبلة، في وقت تحتاج فيه كثير من النساء الأفغانيات إلى خدمات تقدمها طبيبات.
وتوضح أن بعض النساء لا يستطعن التحدث بحرية عن مشكلاتهن الصحية مع الأطباء الرجال، كما أن بعض الأسر لا تسمح للنساء بالخضوع للفحص على يد طبيب رجل، لذلك فإن وجود الطبيبات لا يمثل بالنسبة لها مجرد خيار مهني، بل عنصراً أساسياً في قدرة النساء على الوصول إلى الرعاية الصحية "أن تعليم الطب للفتيات والنساء ضرورة لصحة المجتمع، إلى جانب كونه حقاً أساسياً".
وترى أن توفير فرص متساوية للفتيات والفتيان في التعليم والتدريب الطبي من شأنه أن يساعد أفغانستان على بناء الكوادر الصحية التي تحتاج إليها، خصوصاً في المناطق التي تواجه فيها النساء قيوداً اجتماعية وثقافية كبيرة.

وتقول إنها تتطلع إلى مجتمع تتمتع فيه النساء والفتيات، دون تمييز، بفرص الوصول إلى التعليم والتعليم العالي والعمل والخدمات الصحية "أن مشاركة النساء في القطاع الصحي تكتسب أهمية خاصة في رعاية الأمهات والأطفال، ولا سيما في المناطق النائية"، داعيةً إلى تجهيز المراكز الصحية وتوفير الأطباء والقابلات وتعزيز خدمات النقل الطبي الطارئ، حتى لا يصبح الفقر أو بُعد المسافة أو نقص الإمكانات سببًا في حرمان أي مريض من العلاج.
وتستحضر أوكي نور حادثة أخرى من تجربتها في إحدى المناطق النائية، حين احتاجت امرأة حامل إلى رعاية عاجلة، وبعد رحلة استمرت يوماً وليلة، وصلت المرأة إلى المركز الصحي بسبب سوء الطرق والتأخر في العثور على وسيلة نقل، كانت حالة الجنين تستدعي نقلًا عاجلاً، لكن المركز لم يكن يمتلك الإمكانات اللازمة للتعامل معها، ومع وصول المرأة إلى مركز أكثر تجهيزاً كان الجنين قد فارق الحياة، فيما تدهورت حالة الأم أيضاً "أن توفر الإمكانات الطبية الضرورية في المنطقة كان من الممكن أن يغيّر مسار هذه الحادثة، وأن ينقذ الأم وطفلها".

في نورستان، تبدو هذه القصص انعكاساً لمشكلة أوسع، نظام صحي يواجه نقصاً في الكوادر والإمكانات، وسكاناً يعيشون في مناطق تجعل المسافة والطرق وظروف الحياة اليومية الوصول إلى العلاج تحدياً بحد ذاته. ومع ذلك، تتمسك بالأمل في أن تتغير هذه الظروف، وأن يأتي يوم تُتاح فيه للنساء والفتيات فرص متساوية في التعليم والعمل والرعاية الصحية، وتُحترم فيه حقوق جميع الأفغان على قدم المساواة، وتنتهي معاناة الناس الذين لا ينبغي أن تكون المسافة بينهم وبين العلاج سبباً في فقدان حياتهم.