حقول البطاطا في باميان... نساء يحملن أعباء المعيشة وأحلام التعليم المؤجلة
بعد أن حُرمن من مواصلة تعليمهن، وجدت فتيات في ولاية باميان الأفغانية أنفسهن مضطرات إلى العمل في حقول البطاطا، حيث يقضين أياماً شاقة مقابل أجور زهيدة، فيما لا يزال حلم العودة إلى مقاعد المدرسة والجامعة حاضراً في أذهانهن.
بهاران لهيب
باميان ـ تعد ولاية باميان من أبرز المناطق الأفغانية إنتاجاً للبطاطا، التي تشكل مصدر دخل أساسياً لآلاف الأسر التي تعتمد على زراعتها وبيعها لتأمين احتياجاتها المعيشية. ولذلك، لا تمثل البطاطا مجرد محصول زراعي بالنسبة إلى سكان الولاية، بل ترتبط بشكل مباشر بمصدر رزقهم وقدرتهم على إعالة أسرهم.
مع وصول موسم الحصاد، تتحول الحقول إلى ورش عمل مفتوحة تحتاج إلى أعداد كبيرة من العمال. فاقتلاع البطاطا من باطن الأرض وجمعها وفرزها يتطلب جهداً بدنياً كبيراً، ولذلك يقضي العمال يوماً أو عدة أيام في الحقول لإنجاز هذه المهمة قبل نقل المحصول إلى أماكن تخزينه أو بيعه.
لكن موسم حصاد البطاطا هذا العام حمل مشهداً مختلفاً لفت انتباهنا أكثر من أي شيء آخر؛ فقد كان حضور النساء، ولا سيما الشابات، واضحاً بين العاملين في الحقول. ولم يكن وجودهن مجرد تفصيل عابر في مشهد الحصاد، بل بدا مرتبطاً بظروف اقتصادية واجتماعية دفعت بهن إلى العمل من أجل إعالة أنفسهن وأسرهن.
ولفهم ما وراء هذا المشهد، توجهنا إلى أحد حقول البطاطا في قرية من قرى ولاية باميان، حيث كانت عشرات النساء يعملن بين أكوام التراب والبطاطا التي اقتُلعت حديثاً من الأرض. وبينما كانت ألوان ملابسهن الزاهية تضفي شيئاً من الحيوية على المكان، كانت ملامحهن تحكي قصة مختلفة؛ وجوه أحرقتها الشمس، وأيدٍ تشققت وتصلبت من العمل، وآثار إرهاق واضحة على أجسادهن وملامحهن.
ورغم قسوة العمل، كانت النساء يواصلن أداء مهامهن بسرعة وانتظام، يقتلعن البطاطا من الأرض ويجمعنها دون توقف. وعندما اقتربنا منهن للحديث عن حياتهن، اتضح أن وراء هذا المشهد قصصاً تتجاوز موسم الحصاد نفسه.
فمعظم هؤلاء النساء والفتيات حُرمن من مواصلة تعليمهن، ووجدن أنفسهن أمام واقع اقتصادي صعب دفعهن إلى العمل في الحقول بدلاً من الدراسة. واليوم، لا يعملن فقط من أجل كسب بعض المال، بل من أجل المساهمة في تأمين لقمة العيش لهن ولأسرهن، في ظل ظروف جعلت العمل الشاق أحد الخيارات القليلة المتاحة أمامهن.

أحلام مؤجلة
كانت صدف طاهريان واحدة من النساء اللواتي التقينا بهن في ذلك الحقل. وبينما كانت تواصل عملها، كان التعب واضحاً على وجهها، لكن ما كان أكثر حضوراً من آثار العمل الشاق هو ذلك الشعور الثقيل بالمستقبل المجهول الذي بدا في ملامحها.
عندما سألناها عن الأسباب التي دفعتها إلى العمل في حقول البطاطا، وعن حياتها قبل أن تصبح عاملة في الزراعة، تنهدت بمرارة قبل أن تجيب "كنت في السنة الثالثة من كلية الطب في كابول. لقد أوصلتني عائلتي إلى هناك بعد أن واجهت آلاف الصعوبات".
توقفت صدف طاهريان للحظات، وأخذت تحدق في التراب أمامها، وكأنها تستعيد في ذهنها حياة توقفت قبل أن تصل إلى نهايتها. ثم، بعدما نادتها إحدى زميلاتها، عادت إلى الحديث وقالت "كنت سأصبح طبيبة متخصصة في طب النساء والولادة، لكن طالبان لم يسمحوا لي بذلك. أما الآن، فأنا مجرد مزارعة. كل ما أفكر فيه هو أن أتمكن، بأي ثمن من توفير الطعام لي ولعائلتي".
لم تكن خسارتها لدراستها هي الخسارة الوحيدة التي واجهتها. فعائلتها تعيش في ظروف اقتصادية صعبة. ورغم مرور ثلاث سنوات على حظر تعليم النساء ودراستهن، لا تزال صدف طاهريان محرومة من العودة إلى مقاعد الدراسة، ووجدت نفسها مضطرة إلى العمل في الحقول لتأمين نفقات الحياة اليومية. وفي هذا العمل الشاق، لا تحصل سوى على أجر بسيط مقابل يوم كامل من الجهد".
وبينما كانت قصة صدف طاهريان تكشف جانباً من هذا الواقع، كانت هناك في الحقل نفسه قصص أخرى لا تقل قسوة. وعلى بُعد مسافة قصيرة منها، التقينا نرجس طالب حسين، التي استقبلتنا بابتسامة طفولية تخفي وراءها سنوات من الحرمان.
وقالت "لم يسمح طالبان لي بالذهاب إلى المدرسة بعد الصف السادس. أعمل الآن في حقول البطاطا، ويدفعون لي 200 أفغاني مقابل يوم من العمل".
وكما هو حال صدف طاهريان ونرجس حسين، تعكس قصص آلاف الفتيات والنساء في أفغانستان واقعاً حُرمن فيه من التعليم واضطررن إلى العمل الشاق لإعالة أنفسهن وأسرهن. ورغم ذلك، لا يزال حلم العودة إلى المدارس والجامعات حاضراً لديهن، انتظاراً ليوم تُفتح فيه أبواب التعليم من جديد وتستأنف فيه حياتهن وأحلامهن المؤجلة.