قلوب عشرات الأمهات... أحرقتها أحداث 12 آذار

من المؤلم أن تقطف أزهار الشباب وهي في أوج ربيعها، فالأمهات لا يمكن أن ينسين أبنائهن مهما مر الزمان، وهذا ما تعيشه اليوم عشرات الأمهات اللواتي فقدن أبنائهن في أحداث ملعب شهداء 12آذار

سيلين محمد
قامشلو ـ  .
تعرضت مقاطعة قامشلو في شمال وشرق سوريا، لفتنة مدبرة في 12 و13 آذار/مارس 2004، أدت لمجزرة دموية راح ضحيتها 38 شهيداً ومئات الجرحى وآلاف المعتقلين، ولكن هذه الفتنة تحولت إلى انتفاضة للشعب الكردي الذي أسس نفسه بنفسه وخطى أهم الخطوات على طريق ثورة روج آفا التي بدأت في عام 2012 بتكاتف كافة المعتقدات والشعوب.
نظرات الوداع والجو المشحون بعواطف ثقيلة، اجتمعت في كل ذكرى لهذه الانتفاضة، إذ تحول ذلك اليوم من مكان للعب والتسلية وتعزيز الروح الرياضية، إلى ساحة للقتال والاشتباكات، إثر فتنة مدبرة راح ضحيتها عشرات الشهداء، واحترقت فيها عشرات القلوب، هذا بالتحديد ما حاولت الأمهات التعبير عنه من خلال سرد وقائع ذلك اليوم وما حصل لأبنائهن لوكالتنا.
 
"نزل الخبر عليها كالصاعقة"
تحدثت عيشان بركات من قرية "قري" التابعة لناحية عامودا في شمال وشرق سوريا، والبالغة من العمر 66 عاماً، قائلةً بأن انتفاضة 12آذار/مارس، كانت انتفاضة كبيرة، فقدت فيها ابنها أحمد محمد.
تتذكر عيشان بركات ابنها الشهيد، والذي كان مولعاً وشغوفاً بكرة القدم، وتقول "استعد ابني منذ الصباح لحضور مباراة كرة القدم التي كانت ستقام بين فريق الجهاد في قامشلو، وفريق الفتوة في دير الزور، كان يراودني شعور غريب في ذلك اليوم، وكأنه الوداع الأخير لأبني".
وتكمل "تلقيت نبأ صادم من زوجي أحمد، بوجود مشكلة كبيرة قد حدثت في الملعب البلدي قبل إقامة المباراة، وطلبت منه أن يعيد لي أبني، إلا أنه قال بأن ذلك غير ممكن، لأن جميع الطرق أغلقت في ذلك الوقت، والمشكلة بين جمهور الفريقين، تحولت إلى اشتباكات عنيفة أسفرت عن مقتل العديد من الشبان".
قبل انطلاق المباراة التي كان من المقرر إقامتها في 12 آذار/مارس، أعد النظام البعثي والأوساط الشوفينية لارتكاب مجزرة بحق كرد قامشلو، فقد تم استقدام العديد من الشوفينين من مختلف مناطق سوريا كمشجعين لفريق "الفتوة" الرياضي، وتحت أنظار وأسماع وصمت القوة الأمنية في قامشلو، بدأت الجموع الآتية من دير الزور بالتظاهر في شوارع قامشلو رافعين صور صدام حسين ومرددين الهتافات المنادية بحياته وموجهين الشتائم للكرد وقادتهم.
لم يطل الوقت حتى تلقت عيشان بركات ذلك الاتصال الذي تعتبره حتى اليوم مشؤوماً، لقد أخبروها بوجود العديد من الجرحى في المشفى، فهرولت هي والعديد من أفراد العائلة مسرعين ليطمئنوا على صحة ابنهم، ولكن لم يسمح لهم بدخول الغرفة والكشف عن وجوه الشبان المغطاة، وبعد جهد كبير تمكنت ابنة عمه من الدخول إلى الغرفة وكشفت عن تلك الوجوه المغطاة، في تلك الغرفة التي ضاعت فيها أحلام وأمنيات العديد من المواطنين، وطارت معها أرواحهم.
بقيت عيشان بركات والعديد من الأهالي أمام الباب ولكن الخوف لم يفارقها منذ الصباح، لا بل وتصاعد هذه المرة كما لو أن لحظة الصدمة قد أتت، الشيء الذي كانت تشعر به وتخشاه جاء إليها الآن، إنه نبأ وفاة ابنها، لقد تمنت أن يكون جريحاً أو مصاباً ولكن المهم يبقى على قيد الحياة، كانت مستعدة لتفديه بروحها لو طلب منها ذلك، لكنه رحل بلا عودة، وما هي إلا دقائق معدودات من الانتظار حتى امتلأت جدران المشفى الصماء صراخاً بشعور الألم والرعب والحزن، الشابة التي دخلت تبحث عن ابن عمها وجدته بين جثامين الشهداء، وبصمتٍ قاتل بدأت تنهمر دموع الأم، تلك الدموع لم تكن تنهمر من الغدد التي في عينيها لقد كانت تنبع من قلبها.
 
"ربيع الفتن والطائفية أطفأ ربيع الشباب"
استشهد أبنها أحمد محمد عن عمر يناهز الـ 25 عاماً، في ربيع شباب عصفت به رياح الفتن والطائفية، على إثر رصاصة استقرت في أعلى القلب، وهو الأبن الثاني للأم عيشان بركات بعد شقيقه كاوا محمد. لم يتمكن من إكمال تعليمه لأن الظروف الاقتصادية لأسرته في ذلك الوقت لم تكن جيدة، لهذا أجبر على ترك تعليمه من أجل مساعدة والده في العمل، إلا أن جميع من عرفه تعلق به واحترمه، وجرح عيشان بركات لم يشفى بعد، فهي ماتزال تحتفظ بالعديد من ملابسه كذكرى له، ولكي تبقى رائحته قريبة منها.
وتضيف "عدنا محطمين الأجنح، مفجوعين بفقيدنا، ووري جثمانه الثرى في مقبرة الهلالية"، وتكمل "مع تجمع الأهالي لتشييع جثامين الشهداء استهدف رصاص النظام السوري جميع المتواجدين هناك، وسقط العديد من الجرحى والقتلى آنذاك، كان يوماً بائساً جداً، لكن الأحرى أن نقول بأنه كان يوماً أسود، احترقت فيه قلوب عشرات الأمهات وتيتم فيه عشرات الأطفال".
شهدت المدينة في اليوم التالي من الحادثة إضراباً، وتجمع أكثر من 400 ألف كردي في شوارع قامشلو لتشييع شهدائهم الأربعة، وأطلق النار عليهم، وأعلن الانفجار الكردي عن نفسه على شكل انتفاضة جماهيرية بدأت شرارتها من قامشلو وامتدت إلى كافة المدن.
وتقول عيشان بركات "في عام 2011، نقلنا جثمان أبني أحمد محمد إلى مقبرة الشهيد دليل صاروخان، وفي 12 آذار/مارس من كل عام، نزوه ونشعل الشموع على ضريحه".
أدت الأحداث التي جرت إلى استشهاد 24 شخصاً، بينهم نساء وأطفال، بالإضافة لجرح المئات، لتبدأ بعدها حملة الاعتقال من قبل النظام، حيث اعتقل أكثر من 2700 شخص، وفي 16 آذار/مارس استهدفت قوات الأمن المتظاهرين في مقاطعة عفرين واستشهد على إثرها 5 مدنيين آخرين، ليرتفع عدد الشهداء إلى 38 شهيداً.
مشاهد الألم التي حدثت خلال الانتفاضة كثيرة، فقصة عالية سراج تشبه قصة عيشان بركات، فهي أيضاً فقدت ابنها واحترق قلبها جراء تلك الانتفاضة، تقول "ودعت ابني جوان حسن، الذي لم يعد، فكان مصيره أن يفارق الحياة وهو في ريعان شبابه، وهو مازال في عمر الـ 17 عاماً".
 
"كان حلمه أن يصبح فيلسوفاً"
تحدثت عالية سراج عن أحلام وآمال ابنها التي لم ترى النور ولم تشرق، قائلةً "كان دائماً يحدثني بأنه يريد أن يصبح فيلسوفاً، بحماس كبير يتدفق من عينيه".
وتضيف "كان ابني يستعد لحضور مباراة في الملعب البلدي الذي سمي فيما بعد بملعب شهداء 12 آذار، تلقيت نبأ استشهاده خلال الاحداث التي اندلعت في المعلب، هرعت مسرعة إلى المشفى، لا أعلم كيف وصلت، لأن الطرق كانت جمعيها مغلقة، صدمت بمنظر ابني الذي تعرض لإصابة في رأسه برصاصة لا أعلم أهي طائشة أم وليدة فتنة وعنصرية".
وتم تسمية الملعب البلدي في قامشلو باسم ملعب "شهداء 12آذار" في الذكرى الـ 11 لانتفاضة قامشلو.
وتكمل "وقفت أمام جثمان ابني الذي يبلغ من العمر 17 عاماً، عاجزة، حزينة، متألمة، وصدري يثقله ألم لا يمكن وصفه، فلم تحمل قدميي الضعيفتين ذلك الكم الهائل من المشاعر التي كاد قلبي يتفجر من ثقلها".
 
"رغم الظلام دماء شهدائنا ستتحول إلى نور من نار"
عالية سراج أم كتلك الأمهات، تؤمن رغم ظلام الألم والحسرة، أن دماء أبنائهم ستصبح نوراً من نار تحرق أعداء الأرض وكل من يتخطى حدوده عليها، وفي المقابل تضيء الطريق أمام الأجيال القادمة، تقول "لم يساورني الندم يوماً أنني قدمت روحي مرتين من أجل وطني، وإن توجب الأمر سأفني حياتي فداءً لتحيا أرضي".
انتفاضة 12 آذار/مارس، التي خُطط لها من أجل قمع أكراد سوريا تحولت إلى مجزرة لكن الشعب الكردي لم يقف صامتاً تجاه هذه الانتفاضة وخطى بذلك أهم الخطوات وباتت مقياساً لمدى تنظيم الشعب ومدى ارتباطه بأهدافه وحقوقه المسلوبة، واعتبرت انتفاضة 2004 أساساً متيناً لثورة روج أفا التي بدأت في 19تموز/يوليو 2012، فمطالب الحرية والديمقراطية التي صدحت بها حناجر مئات الآلاف خلال أيام الانتفاضة، لم تتغير مع انطلاق ثورة روج آفا التي بدأت من مدينة كوباني.